الثلاثاء، 16 يوليو، 2013

التجربة الإستبدادية في دول الخليج العربي



إني اتعجب من كثرة الكتب والأبحاث والدراسات التي تتحدث عن التجربة الديمقراطية في دول الخليج العربي بينما نحن غارقين في الإستبداد ، ولا اعتقد إننا ذُقنا طعم الديمقراطية مرة . ولا ننكر وجود بعض الممارسات الديمقراطية المعاقة ، كوجود مجالس برلمانية منتخبة بدون صلاحيات ، الهدف منها الضحك على الشعوب فإن لم يكن فإخراسها .

قليل ما نجد من يتحدث عن التجربة الإستبدادية في دول الخليج العربي ، مع أن أغلب تاريخنا إستبداد بإمتياز . فهل سلب الإستبداد عقول الكُتّاب الخليجيون وأعمى بصائرهم وجعلهم يرون الديمقراطية في كل شيء حتى القبليّة ؟

لسنا بحاجة إلى نبش التاريخ لرؤية ومعرفة هذه التجربة ، فيكفي لكي تتأملها أن تملك عَين واحدة ، وأُذن واحدة ، ونصف عقل . أما إن كنت تملك عينان وأُذنان وعقل فالأمور ستكون ميسره .





إن ما يميز إستبداد دول الخليج هو أن الإستبداد متحد ومتآزر ، وعلى اثره تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي ، ولأكثر من 30 سنة لم يتفق حكام دول الأعضاء على شيء سوى قمع شعوبهم فهم متفقين عليه بالإجماع . ففي كل اجتماع يخرج المجلس بإتفاقيات أمنية فيما بينها ، وبعد فترة وبالصدفة تلقي القوات الأمنية على مجموعة إرهابية سرية تهدف إلى إشعال الفتنة أو زعزعة الأمن وإستقراره .. الخ
وفي الحقيقة ما هو إلّا قالب جاهز لخلق وهم بين المجتمع بوجود مجموعة ربما تكون إرهابية أو إخوانية أو صفوية حتى يعشش هذا الوهم في أذهان الناس ، بعدها عندما يقوم فرد من الشعب بالمطالبة بأبسط حقوقه المسلوبة تقوم الأجهزة الأمنية بنسبهِ إلى إحدى هذه الجماعات ، والتي أخذت فكراً غير مقبولاً بين الناس ، وتجد السلطات حينها مبرراً لمحاكمة وحبس هذا الفرد المسكين .
ولكن من المكابرة أن ننكر وجود أيد عابثة تريد زعزعة أمن دولة من دول الخليج ، فهذه المجموعات والتنظيمات موجودة وحقيقية ، ولكن فيما بين دول الخليج نفسها ،  كخلية التجسس الإمارتية التي كانت تهدف إلى تقسيم سلطنة عُمان ، ولا غرابة .. فالإستبداد لا دين ولا مذهب ولا أخلاق له .

إن أبرز تجليات الإستبداد التي شهدناها في دول الخليج العربي كانت وقت وصول رياح الربيع العربي إلى دول الخليج ، ولكن ولأن الاستبداد متوغل في المجتمع الخليجي ومتحكم في افكار الفرد منذ ولادته ، مسيطر على الإعلام وما يود توصيله ، مختار للمناهج الدراسية وما يود تلقينها ، موجه الأجهزة الأمنية فوق رأسه ، فلم يؤتي الربيع الخليجي ثماره .

عند بداية المطالب كشّر الإستبداد عن أنياب قوّتهِ  ، لأنه كان متخوّف من إحتمالية زواله ، ففي سلطنة عُمان مثلاً ، قُتل شابان برصاص الأمن ، بالإضافة إلى الإصابات جراء الضرب بالعصي ، كما أن الإعتصامات انهيت بالقوة من جانب الأمن . ثم تعامل بالمثل مع أي اعتصام ، ولم يفرق بين الرجل أو المرأة ، الشاب أو المسن ، المعلم أو الطبيب ، فالأمن لا يجيد سوى لغة الغاز والعصى .

أما في السعودية ولشدة درجة الإستبداد لم يصلنا الكثير مما حدث بشكل دقيق ، ولكن نعلم أن المطالبين بحقوقهم قد تم مواجهتهم بالقوة دون تمييز كذلك .

أما في البحرين فكان الوضع مختلف تماماً لأن الشعب كان قريب من النجاح ، لأن أغلب الشعب معارض بشكل صريح ، فلو أُسند القرار إليه سيفقد مجلس الإستبداد الخليجي عضواً من اعضائه ، وبنجاح الشعب البحريني ستنتقل العدوى وبقوة إلى دول الجوار ، فكان لابد من التصدي لهم بأي فكرة كانت ، ولأن أغلب الشعب البحريني من الطائفة الشيعية قيل أن هناك أجندات خارجية تدعمهم من إيران ، فيتطلب الأمر تدخل قوات الدرع الخليجي ، وبالفعل تدخلت قوات الدرع وانهت الإعتصامات على نحو تم رسمه وتخطيطه .

أما في الكويت فكانت المطالبات بتعديلات دستورية ، لأن هناك إشكالية يعانون منها إلى الآن ، وهي ان الكويت نظامها السياسي " ملكية دستورية " ولكن ما زال الحاكم مقدس ، يملك ويحكم ، يُشكِل ويُحِل ، وفي النهاية كذلك تم إنهاء المسيرات بالقوة ولم تتحقق مطالبهم .

أما في الإمارات وقطر كانت بعيدة بعض الشيء من هذه الأحداث وإن كان هناك القليل منها ولكن بدون اثر ، فالوضع مختلف لأسباب معروفة ، وذلك بسبب عدد المواطنين والرفاهة المعيشية .

بعد هذه الأحداث قامت دول الإستبداد الخليجي بإحكام القبضة فقامت بموجة إعتقالات متهمة المواطنين فيها بالتجمهر أو الإعابة أو الإنخراط في جماعات إرهابية ، وقامت بمحاكمتهم لفترة طويلة ، فأخذ بعضهم البراءة والآخرون ما زالوا يقضون فترة حياتهم في السجون .


التجلي الأخير لهذا الإستبداد والحاضر هو ما صاحب الأحداث الأخيرة في مصر ، فبعد الإنقلاب العسكري قامت السعودية والإمارات بمباركة هذا الإنقلاب بارسال رسائل تهنئة ، ومن ثم ارسال التبرعات فالسعودية تتبرع بـ 8 مليار دولار
والإمارات بـ 4 مليار بالإضافة إلى شحنة من " الغاز " و " السولار " والكويت تتبرع بـ 3 مليار ، بينما سلطنة عُمان هي من تتكفل بصيانة القصور الرئاسية سنوياً ، وبهذا وبقدرة قادر تنتهي المشاكل الإقتصادية في مصر .
 وفي نفس الوقت الذي تبارك فيه الدول الإنقلاب ، في الإمارات تتم محاكمة 94 مواطناً بتهمة قلب نظام الحكم ، والسعودية اشترت العلماء ليصدروا فتاوي عدم الخروج عن الحاكم ،   وفي الكويت تم قمع  الشعب المطالب بتعديل نص دستوري .
15 مليار قامت دول الاستبداد بانفاقها لمصر بعد الإنقلاب وهنا يمكنك أن تطرح عشرات الاسئلة التعجبية ، فلماذا لم تنفقها في آيام النظام الشرعي المنتخب ؟ لماذا لم نرى هذا التبرع لشعوب هم أكثر حاجة من أمتنا .. فلسطين ؟ اللاجئين السورين ؟ ما هي مصدر هذه الأموال ؟ جيوب الحكام أم ظهر الشعب الكادح ؟
بلا شك أن المال يلعب دور كبير في استمرارية الإستبداد وإنعاشه بل هو المحرك له ، حاله حال البنزين للسيارة ، ووجهت دول الإستبداد رسالة واضحة المعالم وهي أن بالمال بإمكانها أن تتلاعب بسياسات دول وذلك عن طريق التلاعب بإقتصادها ، وأن من يعكر صفوها بإمكانها إزاحته ولو بعد حين ، وكما أن استبدادها متوغل في الداخل بإمكانه أن يؤثر في الخارج كذلك .
وكما أنها بعثت رسالة إلى شعوبها وهي أن التجربة الديمقراطية ليست بالضرورة مناسبة خاصة للعرب وشعب الخليج ، وكما أنه يولد الفوضى والعبث وعدم الإستقرار ، وأن العرب ليسوا مستعدين بعد للتجربة الديمقراطية وعليهم في هذا الوقت إصلاح انفسهم ، فمن الأفضل البقاء على العلاقة الحالية بين الحكام والمحكومين ، كعلاقة الراعي بخرافهِ . 

رغم أن التجربة الإستبدادية عاشت قرون طويلة سواء في العالم العربي أو الإسلامي ، إلّا إن دوام الحال من المحال ، ولابد يوماً للقيد أن ينكسر ، ودول الخليج العربي ليست بعيدة عن هذه المتغيرات ، إن كسر هذا القيد مرهون بالشعب وحده ، وذلك عندما يعلم الشعب الخليجي السبب الحقيقي الذي اوصله بهذه الحال ، وقد تأخر عن معاصرة زمانه ، والسبب الحقيقي وراء كل ذلك هو الإستبداد ، فالثورة لأسباب مادية لن تجدي نفعاً لأنه لم يتوصل بعد للسبب الحقيقي ، وكما إن هذا السبب بالإمكان أن يسد مؤقتاً ، ثم يعود الحال على ما هو عليه ، فحتى إذا ما ثار الشعب بسبب الإستبداد لن تنتهي هذه التجربة المأساوية ، وكما يقول عبد الرحمن الكواكبي : " الأمة التي لا يشعر كلها أو أغلبها بآلام الإستبداد لا تستحق الحرية " .