السبت، 13 سبتمبر 2014

المادة (٦) واحتمالات واردة



تنص المادة (٦) من النظام الأساسي للدولة - الدستور - الآتي :
 " يقوم مجلس العائلة الحاكمة ، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان ، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم فإذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطان للبلاد قام مجلس الدفاع بالاشتراك مع رئيسي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة "

تتحدث هذه المادة عن طريقة انتقال الحكم في سلطنة عمان، ومنذ صدور النظام الأساسي للدولة عام 1996 لم تخضع هذه المادة للتجربة بعد، إلا أنه ومن الناحية النظرية فالمادة بها الكثير من العيوب، خاصة في ظل هذا النظام السياسي الذي لا يعترف بتوازن السلطات. 

طريقة انتقال الحكم جعلت مستقبل الدولة ضبابي غير واضح، ويظن البعض أن الوضع سيمر طبيعيًا دون أي همس ولم يفكر في إحتمالات أخرى واردة. ربما من الصعب التكهن بمستقبل دولة ومستقبل شعب أو الأحداث التي ستحدث، وهذا ما لا أود ذكره هنا، وإنما أود أن أضع إحتمالات لم يضع أغلبنا لها بال قد تحدث وإن كانت نسبتها قليلة - كما نظن - ولكنها تظل واردة تشكل خطرًا على مستقبل الدولة.





أولا: مجلس العائلة :

لم يحدد القانون شكل هذا المجلس وكم عدد أعضائه وكيفية عمله وهل القرار الذي سيتخذونه بالأغلبية أو بالإجماع، وهذا في حد ذاته عيب ونقص في القانون، إذ أن هذا المجلس يقع على كاهله مهمة صعبة ومصيرية وهي اختيار سلطان يتمتع بنفوذ وصلاحيات مطلقة، فكيف للشعب أن يعلم أن المجلس اختار السلطان بالطريقة الصحيحة؟

قد يقول قائل: أن هناك لائحة داخلية تحدد كيفية عمل المجلس. وقد يكون هذا صحيح ولكنه يبقى معيب لانه سيكون بدون رقابة، حتى وإن فرضنا أنه يقول بالرجوع إلى أكبرهم سنًا أو ما شابه فنحن نتحدث عن وقت يكون في المنصب شاغرًا، هذا المنصب الذي يمتمع بصلاحيات مطلقة، فلن يكون هناك أي مانع من حدوث أي تجاوزات.

ثم إن هذا المجلس قد يحدث بين أعضائه نزاعات، ولا أعني هنا عدم الإتفاق على السلطان ثم الإنتقال إلى الخطوة التالية، وانما نزاعات تتسم بالقوة وقد تكون خارجة عن إطار القانون وقد تكون دموية، فنحن نتحدث عن بشر لا ملائكة، والوصول إلى منصب بذلك القوة أمر مغري يطمع له الإنسان، خاصة أفراد العائلة الحاكمة كل يرى انه الأحق بالرئاسة، ولهذا نرى عبر التاريخ والعصر الحديث أنه يحدث إقتتال بين الأخ وأخيه والأب وابنه وأبناء العمومة على الرياسة، والتاريخ العُماني ليس ببعيد عن هذه الأحداث ولا حتى القريب، فهذه النزاعات قد تجر البلاد إلى انقسامات وفوضى لا يُعرف نهايتها.


ثانيًا: شغور المنصب:

تنص المادة أن مجلس العائلة لديه مهلة ثلاثة أيام حتى يختار السلطان الجديد وإلا تنتقل العملية إلى تثبيت من أشار إليه السلطان، إن مدة الثلاثة أيام قد تكون محفوفة بالمخاطر، وفرصة قد ينتظرها المتربصين، ففي هذه الثلاثة أيام ستغيب قوى تسيطر على أهم المناصب في الدولة، اعني بذلك غير منصب سلطان البلاد: وزارة الدفاع والخارجية والمالية والحكومة ومجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقضاء فكل هذه المناصب يمتلكها شخص واحد، فإن غاب بقيت هذه المناصب شاغرة لا يتحكم بها أحد، وهذا قد يثير جهات غير العائلة الحاكمة من محاولة الوصول إليها والسيطرة عليها تمهيدًا للوصول إلى الحكم.

وقد تكون هذه الجهات داخلية أو خارجية

داخلية:

ربما ابرز جهة في هذا المقام هي الجهة العسكرية، فخلال شغور المنصب لن تكون هناك قوة حقيقة إلا قوة الرجل الذي يعتلي أكبر منصب عسكري أو أن العساكر يتبعوه، هذا الرجل يستطيع التسلق إلى الحكم قبل أي شخص آخر، خاصة أن العساكر من تحته يتبعوه في كل خطوة، فهم مهيئين ومدربين للتبعية وتنفيذ الأوامر ثم مناقشتها، تم تصميم عقولهم لتعمل كالحيونات في طاعة سيدها وكالروبوت في التحكم به، وإلا كيف يقوم الإنقلاب العسكري؟

إن الإنقلاب العسكري ليس امرًا مستبعد حصوله أو لا يمكن لعقل أن يتصوره، ففي عام 2011 تم الكشف عن خلية تجسس إماراتية تورط فيها ضباط عسكريين في مناصب عليا كان هدفهم قلب نظام الحكم ولكن العملية فشلت، فطالما هناك مرة أولى فليس هناك ما يمنع من وجود مرة ثانية!

الجهة الأخرى هي الأحزاب التي تعمل في الخفاء، سواء كان هذا جزء من عقيدتها أو بسبب عدم مقدرتهم على ذلك للأسباب القانونية والأمنية، وأعني بذلك تحديدًا الأحزاب الدينية بشكل خاص وغيرها من الأحزاب بشكل عام، ويعود سبب ذلك في المقام الأول هو حرمان الأحزاب السياسية من العمل السياسي وحظرها قانونًا وملاحقة أي شخص ينتمي لأي حزب، فهذا يجعل الأحزاب مضطرة للعمل في الخفاء، فقد لا تكون موجودة في أرض الواقع إلا أن يوم واحد يكون الناس فيه مشغولين كافي لتفعيل الحزب من جديد ثم بداية التصعيد ثم السيطرة، خاصة إن كان الحزب يلقى قبولًا عند شريحة لا بأس بها من الناس وينتمي إليها أفراد لهم مكانة في المجتمع والوسط الديني، ولعل ابرز مثال لذلك الإمامة الإباضية، فالإمامة الإباضية مرت تاريخيًا بصراعات دامية مع النظام السلطاني لأنها ترى انها الأحق بالرياسة، إلا أن التنظيم خمد في عهد السلطان قابوس وقد حاول الإشتعال من جديد في عام ٢٠٠٥ (١) ولا اعتقد انهم سيتوقفون عن التفكير للوصول لسدة الحكم، فعادة الذي يحمل فكرًا دينيًا يؤمن به إلى أن تقوم الساعة ويقدم حياته اضحية لما يؤمن به. 

- خارجيًا: 


دائمًا ما تكون هناك أطماع خارجية حتى وإن كان البلد آمن ومسالم لا يتدخل في شؤون الدول وليس له أعداء ظاهرين، حتى دول الجوار قد تكون أول من يفكر في أطماعها عند وجود نقطة ضعف عند الدولة الأخرى. ولعل أبرز مثال لذلك خلية التجسس الإماراتية التي ذكرناها سابقًا، مع أن دولة الإمارات دولة مجاورة تربطها روابط تاريخية مع الدولة واجتماعية وثقافية واقتصادية،إلا أن الأطماع تبقى أطماع في عالم السياسة، كذلك السعودية التي ترى أنها قائدة الخليج والأب الحنون على بقية الدول، إلا أن عمان تنتهج سياسات مغايرة عن السعودية ولعل أبرز مثال لذلك رفض عمان الإنضمام للإتحاد الخليجي، فقد ترى السعودية أن عمان تمثل عقبة لها فهي فرصة مناسبة للتحكم بالخليج بشكل أكبر، خاصة وسبق للسعودية تاريخيًا أن كان لها أطماع في السلطنة وكان لها مؤيدين في الداخل.
 كذلك بالنسبة للتنظيمات والجماعات والأحزاب الخارجية، التي تتمدد سريعًا وليس لها موطن معين، قد ترى هذه فرصة مناسبة.

المخرج:

بالتأكيد أن لكل مشكلة حل، ولكن اعتقد أن الحل قد فات أوانه وسنظل معلقين بهذه الصورة، كان الحل هو خلق قوتين متضادتين، لا تتأثر الدولة فيها عندما يكون منصب السلطان شاغرًا، هذه القوتين هي السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الوزراء، والسلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان، وكانت فرصة حدوث هذا في الربيع العماني، إلا أن الخط قد انحرف وعلمت السلطة كيف تتعامل مع الوضع، الوضع الذي أصبح الناس يطلبون حلبات للسباق والفصل بين الجنسين في التعليم، الوضع حينما غفل الناس عن المبادئ الأساسية والضرورية التي تقوم عليها باقي الأمور التي كانوا يقومون بمطالبتهم بها. كانت فرصة مناسبة للمطالبة بتغييرات شاملة وإقامة دولة مؤسسات وقانون، دولة قوية لا تتأثر بشغور منصب.

إن هذا المستقبل الضبابي غير الواضح يتحمل مسئوليته من مسك القلم وكتب : سيكون مستقبل سلطنة عمان مجهول .. 





١- يعتقد البعض أن التهم على التنظيم كانت ملفقة





0 التعليقات:

إرسال تعليق