‏إظهار الرسائل ذات التسميات حول كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حول كتاب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 يناير 2024

تشي جيفارا عرّاب حرب الغوار


 


هل تساءلت يوما كيف يمكن لفرقة أو حزب أو تنظيم صغير أن يواجه جيوش نظامية بل ويتمكن من الصمود والتغلب عليها، على الرغم من الفرق الشاسع بين الجانبين من ناحية الكم والعتاد والتقنية؟

إن هذه المجموعات الصغيرة لا تستطيع أن تصمد أمام الجيوش النظامية إلا عن طريق تكتيكات حرب الغوار أو بما يعرف بحرب العصابات أو الشوارع –ونفضل مصطلح الغوار-

في وقتنا الحالي إن ما يحدث في غزة بفلسطين المحتلة هي إحدى هذه الحروب، فتسعى مجموعة صغيرة بالعدد –حماس- من مقاومة المستعمر –الكيان الصهيوني- وصمود ونجاح هذه المجموعة كما يخبرنا التاريخ وإن طالت ليست بمستحيلة، فكما يقول جيفارا: (تستطيع القوى الشعبية أن تكسب حربا ضد الجيش النظامي) وهنا كان يتحدث عن حقيقة تاريخية وليست تنظير.

عند قراءتك لكتاب تشي جيفارا (حرب الغوار) ستدرك من الناحية العملية ما تقوم به حركة المقاومة، وكأن جيفارا كان يكتب سيناريو هذه الحرب، أو بالأحرى أن هذه الجماعات مطلعة على هذا الكتاب.

قام تشي جيفارا بتأليف هذا الكتاب في عام 1961م وذلك بعد نجاح الثورة الكوبية والتي شارك فيها مع رفيقه فيدل كاسترو، ويتضح أهمية هذا الكتاب في أن جيفارا وضع مبادئ حرب الغوار مستندا على الجانب النظري والعملي، لاسيما أن تجربته كانت ناجحة وقلبت موازين القوى رأسا على عقب، فهو لم يقم بأول حرب من هذا النوع، وإنما قام برسم خارطة لأي جماعة تمتلك ذات الأهداف في العصر الحديث، فكما يقول من الهدف من تأليف هذا الكتاب: (نقصد الآن إلى إيجاد الأسس التي يقوم عليها هذا النمط من النضال والقواعد التي ينبغي أن تتبعها الشعوب الباحثة عن تحررها، إن مقصدنا هو تحويل الممارسة إلى نظرية واستجلاء بنية هذه التجربة وتعميمها لفائدة الآخرين)

ولم يتجاهل جيفارا تجارب الآخرين بل كان مطلع عليها واستفاد منها ووظفها في كتابه، فمثلا يقول: (وقد علمنا أنهم في الجزائر مثلا يستعملون حاليا ضد الحكم الاستعماري الفرنسي ألغاما مسيرة عن بعد، تنفجر على مسافة كبيرة من نقطة إطلاقها باللاسلكي)

ويفرق جيفارا بين المغاور ورجل العصابات، حيث إن المغاور: (مصلح اجتماعي، وأنه يحمل السلاح استجابة لاستنكار الشعب الكامن ضد مضطهديه) أما عصابات قطاع الطرق وإن كانت لديها مميزات جيش الغوار إلا أنها ينقصها تأييد الشعب، وهو الفرق الجوهري بين الفريقين.

يتكون الكتاب من أربعة أقسام:

القسم الأول: المبادئ العامة لحرب الغوار: ويشمل جوهر الحرب والتفريق بين الحرب في المواقع الجغرافية المختلفة.

القسم الثاني: الغوار: ويشمل صفات المغاور وتنظيم القتال.

القسم الثالث: تنظيم جبهة الغوار: ويشمل تموين الحرب والمنظمات المدنية ودور المرأة والصحة والصناعة والدعاية وغيرها.

القسم الرابع: من تشكيل الغوارة الأولى إلى الدفاع عن السلطة بعد الفوز بها: وهي الطور الأخير من حرب الغوار.

وحيث يرى جيفارا أن حرب الغوار ما هي إلا طور ومرحلة من مراحل الحرب: (من الثابت أن حرب الغوار تؤلف أحد أطوار الحرب، فلا يستطيع هذا الطور وحده أن يؤدي إلى الظفر، إنه أحد الأطوار الأولى من الحرب، وسوف يتطور حتى يكسب الجيش الثائر إبان نموه المستمر مميزات الجيش النظامي)

وعن تكتيك الحرب فيختصرها جيفارا في التالي: (عضّ، اهرب، تريّث، راقب، عد ثانية، عضّ واهرب مرة أخرى، وهكذا دواليك، دون أن تترك للعدو راحة)

وعن صفات المغاور وجوهر الغوار يقول بتصرف: (ومثلما ينبغي في الحرب الحديثة أن لا يموت اللواء قائد فرقة على رأس جنوده، ينبغي كذلك للمغاور الذي هو لواء نفسه أن يصون حياته، إنه مستعد لعطائها، غير أن الوجه الإيجابي من حرب الغوار هو بالدقة أن كل مغاور مستعد للموت ليس دفاعا عن مثل أعلى بل لتحويل المثل الأعلى إلى حقيقة. هذه هي قاعدة نضال الغوار وعين جوهره: إنها المعجزة التي تجترحها مجموعة صغيرة من الرجال لإحقاق العدالة)

وعن سلوك وأخلاق المغاور فيقول: (يجب أن يرتكز السلوك نحو السكان المدنيين على احترام كبير لكافة تقاليد وعادات أهالي المنطقة، للتدليل العملي عن تفوق المغاور أخلاقيا على الجندي المضطهد)

وعن الدعاية والإعلام يقول: (ينبغي أن تتألف هذه المنظمة من قسمين متكاملين، يغطيان نطاق الوطن كله، يجب أن تتم الدعاية من الخارج، أي ضمن المنظمة الوطنية المدنية، ومن الداخل أي في وسط الغوار)

وفي الأخير فإن الكتاب الذي وضعه تشي جيفارا ليست التجربة الأخيرة، بل وضعه ليأتي من بعده ليحسن هذه الطرق، فيقول: (إن هذه التجربة ليست إلا تجربتنا الكوبية التي أعبر عنها ههنا، ويمكن أن تأتي تجارب جديدة فتغير من هذه الطرائق وتحسنها فنحن نقدم مخططا لا توارة)

الصادق النيهوم... تحية طيبة وبعد





سنويا وفي كل زيارة لمعرض الكتاب بمسقط أبحث عن دار نشر قام بجمع مقالات الصادق النيهوم المبعثرة ووضعها في كتاب، فبعد قراءتي لـ "إسلام ضد الإسلام" "الإسلام في الأسر" "محنة ثقافة مزورة" "الرمز في القرآن" شعرت أني لم أرتوي من نهر أفكار المفكر والأديب النيهوم، الكاتب الذي يرسل إليك أفكاره بأسلوب أدبي رصين أو بالسخرية أحيانا. تتفق معه تارة، وتختلف معه تارة أخرى، وقد يختلف النيهوم مع نفسه تارة أخرى عندما يعيد النظر كما حدث مع نظريته الرمز في القرآن، أو أنك تعتقد أن مشروع الجامع الذي ينظّر له من الصعوبة تطبيقه في أرض الواقع، كل ذلك لا يهم، فالمهم أن المقالات التي كتبها سواء في الستينات أو السبعينات أو الثمانينات ما زالت صالحة للقراءة حتى يومنا هذا، فما زلنا نعايش المشاكل التي أراد أن يعالجها، وكأنه كتب مقالاته لتعيش ما لا يقل عن مائة سنة!

كتاب (تحية طيبة وبعد) من إصدار دار برنيشي للكتاب، جمع فيه مقالات الصادق النيهوم والتي كتبها في سنوات متفرقة ولمواضيع مختلفة كالسياسة والدين والاجتماع، ويتساءل الناشر في كلمته: "كيف تأخرنا حتى هذا الوقت في نشر هذا الكتاب؟"

في مقاله "تحية طيبة وبعد" يكتب النيهوم على لسان الحاج الزروق: (قلت لك أن الأب (اليكسي زخلروف) كان يصف الجنة لرواد الكنيسة في قداس يوم الأحد حتى أسال لعاب الرواد وأغراهم بفعل الخير.. كان يعرف من أين تؤكل الكتف ويعرف الجنة شبرا شبرا.. ولولا أنه كان يقرأ من الإنجيل لاعتقدت أنه وكيل سياحي.. لكن الأب اليكسي زخاروف كان يقرأ من الإنجيل)

وفي مقاله "وجهة نظر.. في مشكلة ملحّة": (.. الفرق الحاسم بين المواطن المصاب (بنقص المعرفة) والمواطن المصاب (بنقص التغذية) أن أحدهما يسعل طوال الليل ويعاني من فقر الدم والسل، والآخر يركض مثل الحصان ويحمل عصاه معه لكي يكسر رأسك إذا قررت أن تلعب أمامه دور الطبيب)

وفي مقاله "أين تجذف إسرائيل": (فدعنا ننقل إسرائيل إلى أي مكان آخر.. دعنا نحملها بين ذراعينا ونطوف بها على دول العالم ونسأل عند كل بوابة: هل لديكم مكان شاغر لإقامة دولة أبناء الله؟ هل لديكم حقول يستولي عليها أبناء الله ويطردون أصحابها. هل لديكم صفاية تصفى بها مواطنيكم فنضع اليهودي داخل الحدود وغير اليهودي خارج الحدود؟"


الأربعاء، 11 فبراير 2015

شاشات رصد القرن الواحد والعشرين


في رواية ١٩٨٤ يتحدث جورج أورويل عن الوضع الذي سيشهده العالم في نفس هذا العام (١٩٨٤) محاولًا التنبأ بنظام عالمي يسيطر على الفرد والمجتمع متحكمًا بكافة تفاصيله اليومية، مسيطرً عليه يبث ما يريد من معلومات داخل رأسه، مقنعًا إياه أن هذه هي الحقيقة ولا غير سواها.




ومن بين الأدوات التي تؤدي هذه الوظيفة هي شاشات الرصد، وهي عبارة عن شاشة صغيرة مثبته في كل شارع وبيت وغرفة وفي مكان العمل والمؤسسات والمنشئات وفي المقاهي، باختصار أنها مثبته في كل مكان، وطريقة عملها هي رصد كل فعل يقوم به الشخص بل حتى بالإمكان أن ترصد شعوره الذي يختلجه وهمساته وحديثه مع نفسه وأحلامه أثناء نومه، وماذا ينوي أن يفعل، وبالإمكان أيضًا أن تحدد هذه الشاشات موقعة، ومتى عاد إلى البيت ومتى غادر من مكان عمله وماذا أكل وماذا شرب، بمعنى آخر أن الخصوصية منعدمة، فلا يمكن للفرد أن يعيش في جو ملئه الخصوصية وإنما كل شيء مكشوف للسلطات بغية التحكم في الفرد وتصفية أي فكر مخالف.

كذلك من وظائف شاشات الرصد بث البرامج والأخبار للأفراد بشكل تلقيني، ويكون ما يبث كتوجيهات للأفراد المراد عملها، إن شاشة الرصد بوجه آخر يمكن أن يكون الإعلام التلقيني ليس الحر الذي يقوم على مبدأ الرأي الأحادي.

تنبأ جوروج أورويل بكل هذه الأشياء رغم أنه توفي في عام ١٩٥٠ وقد يكون ما ذكره في كتابه مثير للغرابة لمن قرأه في ذلك الوقت، إلا أنه الآن بالإمكان أن نقول أن تنبأه به شيء من الصحة، فإذا ما تحدثنا عن وقتنا الحاضر فشاشات الرصد الآن موجودة في كل مكان ولكن لديها أسماء مختلفة وأشكال متنوعة ووظيفتها ربما تكون اسوء وأشد خطورة من التي ذكرها جورج أورويل.

إن شاشات الرصد كما ذكرنا سابقًا لديها وظيفتين: البث (الإعلام) والمراقبة (انعدام الخصوصية) وهذين الشيئين إذا ما تأملنا النظر فيهما نجد أن الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها اليوم تؤدي نفس الوظائف وربما أكثر من ذلك كالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب والكاميرات مرتبطة بذلك ومعتمدة على الإنترنت والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الإجتماعي. وسنأخذ أمثلة بسيطة على أن هذه الأجهزة قد قامت فعلًا بإعدام الخصوصية وجعل مستخدميها مكشوفين للكل.

بلغ عدد الأجهزة الذكية هذا العام ما يقارب ٥ مليار جهاز ذكي على أشكال مختلفة ومتنوعة وترتبط غالبية هذه الأجهزة بالانترنت، وتقوم بإدخال بياناتك فيها للتعرف عليك كالبصمة وتحديد الموقع وقائمة الأسماء وتطور الأمر إلى حساب دقات قلبك وعدد خطواتك، وتسجل رسائلك في سيرفرات خاصة، وليس هناك حاجة - عما قريب - من حمل بطاقتك الإئتمانية فهي الآن تتواجد في الهاتف. 
ويصل الأمر إلى كاميرات المراقبة في الشوارع والرادارات ونظام دخول وخروج الموظفين بالبصمة إلى الكاميرات داخل الفنادق والمحلات التجارية.

واذا ما اخذنا مثال على شركة جوجل فقد نقل موقع نون بوست بعض الممارسات التي تنتهك الخصوصية مثل:
“الأمر الذي كان أكثر غرابة من تصريح رئيس جوجل في دافوس، كان الاختراع الذي طوره مجموعة من علماء هارفارد، وهو عبارة عن روبوت بحجم البعوضة يستطيع سرقة عينات من حمضك النووى دون أن تشعر به، حيث تقول أستاذة علوم الكمبيوتر مارجو سليتزر: "الخصوصية التي عرفناها في الماضي، أصبحت أمرا مستحيلا الآن".

ما تقصده سليتزر في الواقع، هو أننا لسنا بحاجة إلى روبوتات بحجم البعوض لتسرق عينات من أحماضنا النووية لنشعر بانتهاك خصوصيتنا، بل أن خصوصيتنا منتهكة بالفعل ومنذ فترة ليست بالقصيرة، ناهيك عما سيتم تطويره في المستقبل، مضيفة: "التقنيات الموجودة بالفعل الآن، مثل بطاقات الائتمان وشبكة الانترنت والرادارات على الطرق السريعة وكاميرات مراقبة الشوارع ومواقع التواصل الإجتماعي والبريد الالكتروني، كل ذلك يترك أثرا رقميا هائلا يمكن تتبعنا من خلاله”.

 في عام 2007، قامت جوجل بتطوير تطبيق "Google street view" الذي يسمح لمستخدمه أن يتجول في الشوارع من خلال رؤية بانورامية توفرها له جوجل من خلال كاميرات موضوعة على سيارات تابعة لـ"جوجل"، والتي تتجول في الشوارع العامة والشوارع الشهيرة في مدن العالم المختلفة لتصوير هذه الرؤية.

ولكن تلك الصور جعلت من اختراق تفاصيل العديد من الأشخاص أمرا ممكنا، كتصوير أشخاص يخرجون من ملاهي للتعري، أو رجالا يخرجون من مكاتب تبيع كتبا للبالغين.”

وهذا باب طويل لا يتسع لهذا المقال من الأمثلة الكثيرة والعديدة.


أما شبكات التواصل الإجتماعي فإنها سهلت العملية فأصبح الأشخاص هم من يكشفون عن أنفسهم في هذه المواقع لكل أحد، فلم يعد الأمر صعبًا لتستخرج معلومات لشخص معين، فكل ما تفعله هو البحث عن اسم الشخص وعندها ستحصل على صورته ومكان اقامته وجهة عمله واصدقائه وعائلته وعمره ولونه المفضل وأي شيء آخر تريده، ماذا أكل لوجبة الغداء وماذا شرب في المساء، ومن رافق اليوم، ومتى عاد إلى البيت، بإختصار أصبح الأشخاص هم من يكشفون عن أنفسهم فاصبحت شاشات رصد القرن الواحد والعشرين ليست هي من تجبر الأشخاص بل الأشخاص هم يأتوها طائعين.
إن الوضع الذي يشهده زمننا المعاصر فاق ما تصوره جورج أورويل..


الجمعة، 29 أغسطس 2014

حول رواية " امرأة تضحك في غير أوانها "



كنوع من المصالحة مع الرواية في الفترة الأخيرة بدأت بقراءة بعض الروايات، ولكن هذه المرة كانت أول رواية اقرأها لمؤلف عماني وهي رواية امرأة تضحك في غير أوانها للكاتب نبهان الحنشي.





تتمحور الرواية حول ثلاثة قضايا وهي القضايا الإجتماعية والدينية والسياسية، ولعل التركيز كان أكثر حول القضية الإجتماعية.

- الإجتماعية :
تتحدث الرواية عن شخص يدعى " علي " من ولاية جعلان وهو " بيسر " أو كما يطلق عليه البعض " خادم " وآخرين يريحون رأسهم ويعلونها صريحة " عبد " وهي قضية إجتماعية ما زالت موجودة يؤمن بها بعض من فئات المجتمع حيث يقسمون الناس إلى قبيلي وخادم، والكاتب وفّق في تصوير هذه الطبقة من الناس من وجه نظر المجتمع، حيث لم تكن هناك مبالغات أو افكار خيالية وإنما كلها مستوحاه من الواقع.

نعود إلى علي الذي انتقل إلى مسقط وقد ترك أمه وأخته في جعلان للعمل بإحدى الوزارات كمراسل، وشاهد الكثير من الأمور المستجدة عليه في مسقط، وتعرض لكثير من المواقف في الوزارة، إلا أن شيئًا واحد لم يتغير عليه، وهي الأفكار ونظرة الناس إليه!
يتغيّر الناس عادة في تفكيرهم وسلوكهم من خلال أمرين : التجربة والقراءة وعلي بدأت تتغير افكاره من خلال هذين الأمرين، حيث احتك بأشخاص داخل الوزارة وخارجها وبدأ بقراءة الكتب واصبح مدمن عليها.

وعلي كباقي البشر تختلجه مشاعر من بينها الحب، حيث سيبدأ بقصة عاطفية مع موظفة تعمل معه في الوزارة تدعى " مي " ولعل ما اعجبني في هذه القصة العاطفية أن جعل الكاتب المرأة من عائلة ذي مكانة في المجتمع بعكس علي، حيث هناك اختلاف في المكانة الإجتماعية التي رسمها المجتمع لكليها، وهذا الإختلاف هو ما يجعل القصة تكون اكثر درامية كما لاحظنا مؤخرًا في أفلام هوليوود الرومانسية يجعلون الرجل مختلف تمامًا عن المرأة مثل فيلم (twilight) حيث كانت المرأة بشرية والرجل مصاص دماء، أو فيلم (warm bodies) وكانت المرأة بشرية والرجل " زومبي " .. الخ من الأفلام .

تتطور هذ العلاقة إلى أن يصلا إلى موضوع الزواج، إلا أنه بسبب اختلافهم في المكانة فلم يتحقق لهم ذلك فيفترقان، مي تكمل دراستها في الخارج، وعلي يستقيل من عمله.


- الدينية :

خلال عمله دخل علي في التجارة والعمل الحر، وبعد أن استقال لم يتبقى له مصدر مالي سوى التجارة، وتحسنت حالته بعد أن توسعت تجارته، انخرط في جماعة دينية بعد أن اعتاد التردد في المسجد والإحتكاك بمجموعة من الشيوخ واعجبوا به لكثرة تبرعاته لهذه الجماعة وحماسه الشديد، واصبح مشهور بينهم وإلتقى بكبير هذه الجماعة واعجب به، وكاد أن يزوجه ابنته لولا أنه اكتشف انه " خادم " فتغير كل شيء.

رغم أن الدين اتى ليساوي بين الناس " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ولم يفرق بين ابيض وأسود " لا فرق بين عربي على أعجمي إلا بالتقوى " إلا أن حتى من يدعون انهم حراس الدين والفضيلة ما زالوا يعاملون الناس ويحكموا عليهم من منظور جاهلي، ولم يتغير هذا الشيء في قلوبهم رغم انه من صميم الدين وليس له تأويليين.


- السياسي :

تبدأ احتجاجات ٢٠١١ التي عمت كل البلاد، اصبحت حرية الرأي متاحة في هذه الفترة، عدد من الناس يحتشدون أمام مجلس الشورى، يتحدثون عن أحوال البلاد والفساد والفاسدين، أثار هذا استغراب علي رغم انه غير مطلع على القضايا السياسية، إلا أن الإستغراب كان نابع من أن المتحدثين كانوا يخاطبون شريحة كبيرة من الشباب، فخطرت بباله فكرة، وهي أن تقوم الجماعة كذلك بالتحدث مع الشباب وسماع آرائهم ومطالبهم وحثهم على اختيار الصواب، وقد تحقق ذلك ولكن ليس كما كان يرجو، فخطابات الجماعة كانت متكررة ولا تمت للواقع بصلة، وبعيدة كل البعد عن القضايا المعاصرة.

القي القبض على علي خلال حضوره وقفة الإعتصام أمام مجلس الشورى، وفي المعتقل بدأ بالشك عند سماعه حوار لمعتقلين كانا معه، والحوار الذي دار بينهما دار حقيقةً في أرض الواقع، حيث انقسم المعتصمون إلى قسمين - كما يطلق عليه البعض - ليبرالي / إسلامي، وعلى إثره ترك علي الجماعة حينما وجد أن المقدمات لا تقود إلى النتائج المرسومة والمنشودة، وإنما إلى نتائج مشوهة.


- بشكل عام:

الرواية كانت واقعية أكثر من أنها خيالية، وهذه من وجه نظري نقطة قوة حيث لا تقودك الكلمات الإنشائية والمنسقة  إلى الخيال ثم لا إلى لا شيء، وأنما تصدمك مباشرة بالواقع وتجعلك تستيقظ من غفوتك، والقضايا المأخوذة هي قضايا حساسة يُعاني منها المجتمع العماني.
الرواية بها نوع من التشويق مثل قصة وفاة " حمود " والد علي، والفترات الزمنية تم حرقها - اغلبها - بطريقة مناسبة، والنهاية شبه المفتوحة.

عمومًا يبدو إني بدأت بالتصالح مع الرواية ولن تكون آخر رواية اقرأها ..











الاثنين، 7 أبريل 2014

حول كتاب " استئناف التاريخ " لزكريا المحرمي




نظرية وسطية الحكمة ، هذا هو العنوان الأبرز الذي اختتمه الكاتب زكريا المحرمي في كتابه استئناف التاريخ ، والذي يحاول أن يثبت فيه أن ما توصل اليه فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير غير صائب ، محاولاً تقديم " نظرية لم تدخل ميدان التجربة بعد ، وهي ما تزال فكرة بكر بحاجة إلى مخض ونقد واختبار وإنضاج " (١) وهذا ما اود عمله في هذا المقال .


في آخر 20 صفحة يوضح الكاتب شكل هذا النظام وعلى ماذا يقوم ، وكعادة أي نظام على مختلف العصور والأزمان فإنه لا بد أن يدعي انه يقوم على العدل والمساواة والحرية ، فلا يوجد نظام يقول انه يقوم على الظلم والتمييز والعبودية ، فالعبرة أولاً واخيراً بالتطبيق . رغم ذلك سأقوم بمناقشة هذه النظرية والتي يفترض أن تكون قد جلبت معها ما هو جديد متجاوزةً النظريات السياسية الحالية . 


يقسّم الكاتب مؤسسات الحكم إلى ٧ عناصر ، ولكن سنتحدث في هذا المقال عن عنصريين ، وكنت اود لو اني استطيع أن اتحدث عن ثلاثة عناصر وهي الأهم في أي نظرية سياسية المتمثلة في السلطة التنفيذية والتشريعية ، إلا أن عنصر ( الحكومة ) لم يأت له تفصيل ، فما هو شكل الحكومة في هذا النظام ؟ وكيف يتم تعيين اعضائها ؟ وهم مسائلون أمام من ؟ وكثير من الأسئلة التي سنتركها معلقة بلا جواب . 

أما بالنسبة للعناصر الأخرى فتتفق اغلب الانظمة عليها كاستقلال القضاء ودور المجالس البلدية وضرورة وجود المؤسسات المدنية .


أولاً : الحاكم 


وصف الكاتب الحاكم بأنه يمثل رأس السلطة ، بينما الحكومة تمثل السلطة التنفيذية ، ومن هنا نتسائل رأس أي سلطة ؟ 

وهل الحاكم لا يعتبر من السلطة التنفيذية ؟ أم انه سلطة رابعة ؟ اضع هذه الاسئلة ليس لمجرد اظهار الثغرات وانما لاهمية تحديد وبيان كل شخص أو جهة والى أي سلطة ينتمي ، وتظهر هذه الأهمية عند تطبيق مبدأ فصل السلطات وتحديد صلاحيات كل سلطة ووظيفتها وحدودها .

ثم يضع الكاتب الشروط الواجب توافرها في الحاكم وهي : 

١- الانتماء إلى الطبقة الوسطى
٢- العلم
٣- الحكمة
٤- الاهلية البدنية
٥- الفضيلة 
٦- الانتماء

بالنسبة إلى ضرورة انتماء الحاكم إلى الطبقة الوسطى فإنه كوّن رأيه اعتماداً على ارسطو الذي لم يعش في زمن ابراء الذمة المالية ، ومراقبة الاموال الداخلة والخارجة في الحساب البنكي قبل وبعد فترة حكمه ، وعلى ذلك سار المشاؤون فيشترط الفارابي للحاكم " ان يكون الدرهم والدينار وسائر اغراض الدنيا هينه عنده " (٢) كذلك يرى ابن رشد من شروط الحاكم " ان يكون غير محب للمال " (٣) ، فهم يبحثون عن كائن بشري تخلى عن بشريته ، غير انهم يرون أن الطبقة الوسطى لا تهتم بالمال ، غير ملاحظين انهم اخلوا بمبدأ المساواة والذي يقضي بأن الناس متساوون في حقوقهم والتزاماتهم ، فما الضير ان يترشح غني أو فقير اذا كان في نهاية المطاف محكوم وفق انظمة وقوانين تحدد اختصاصه وما له وما عليه ؟ 

اما بقية الشروط فهي متفق عليها في مختلف الازمان ، فالفقهاء كالماوردي وضع سبعة شروط للامام

" أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. 

والثاني : العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام .

والثالث : سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض .

والخامس : الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح .

والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو .

والسابع : النسب، وهو أن يكون من قريش " (٤)

اما الجويني اضاف على ما ذكر اشتراط الذكورة والحرية وغيرها من الشروط البدهية ، ولم يوافق الماوردي في مسألة النسب (٥) 


اما الفلاسفة الطوبائيون ومن لف لف افلاطون ومثالياته فانهم وضعوا شروط تكاد تكون تعجيزيه ، فهم يريدون حاكم فيلسوف ويحكم شعب متفلسف ، والغريب في الأمر انهم يدركون انه امر لن يتحقق ، فبعد أن ذكر الفارابي شروط هذا الرئيس الفيلسوف الاسطوري اعترف ان اجتماع هذه الصفات في انسان واحد امر عسير ، كذلك اعترف ابن رشد بذلك بقوله : " ولقد قيل انه من الصعوبة بمكان ان تجد مثل هؤلاء الرجال ، لذا فقد صح القول انه من الصعب ان تقام مثل هذه المدينة " (٦)

اما بالنسبة للعصر الحديث فهو ينص على هذه الشروط بمسميات اخرى فالحكمة هي اشتراط بلوغ سن معين ، والانتماء بمعنى ان يمتلك الجنسية الاصلية ، والفضيلة ان يكون غير محكوم عليه بجرائم مخلة بالشرف والأمانة . 

فالشروط التي وضعها الكاتب هي موجودة سواء قبل الميلاد أو قبل ١٤٠٠ سنة أو في زمننا المعاصر ، وما حاول الخروج عنه في زمننا المعاصر ومحاولة اخذ شروط من الفقهاء او الفلاسفة ما هي إلا محاولة غير موفقة تجاوزتها النظم الحديثة وذلك لتعارضها مع مبدأ المساواة ، وسنوضح ذلك اكثر في شروط الناخب . 


- الناخب :

من ناحية انتخاب الحاكم يرى أن الجميع له الحق في الانتخاب ولكن قسم الناخبين إلى ثلاثة اقسام :

١- من له صوت واحد : ما دون الاربعين ولا يحمل شهادة الاجازة العلمية
٢- من له ثلاثة اصوات : من يبلغ الاربعين فما فوق ويحمل الشهادة العلمية
٣- من له خمسة اصوات : من يبلغ الاربعين فما فوق ويحمل الشهادة وكان مسئول سابق


اما بالنسبة لانتخابات اعضاء الشورى فيشترط للناخب أن يكون حاصلاً على الشهادة العلمية .


وهذا ما يعرف في الفقه الدستوري بالاقتراع المقيد " ولقد انتشر نظام الاقتراع المقيد في الدساتير التي ظهرت في القرن الثامن عشر ومنها دستور الولايات المتحدة الامريكية والدساتير الفرنسية حتى عام ١٨٤٨ باستثناء دستور ١٧٩٣ ودستور مصر ١٩٢٠ والنظام الانتخابي في انجلترا حتى عام ١٩١٨ " (٧) إلا انه بدأ بالتلاشي شيئاً فشيئاً بعد أن زاد الوعي السياسي ، والوعي السياسي لا يكتسبه الشخص من شهادة الهندسة أو الزراعة وانما عن طريق الممارسة واتاحه الفرصة للجميع بالتساوي في صنع القرار .


إن اعطاء ابن سينا ٥ أصوات في انتخابات الرئاسة والسماح له بانتخابات الشورى ، واعطاء ابي ذر الغفاري صوت واحد فقط في انتخابات الرئاسة وحرمانه من انتخابات الشورى ليس علاجاً من اشكالية تأثير اصحاب الأموال على الناخبين ، بل إن تتبعنا الأحداث الجارية لرأينا أن اصحاب الأموال يستخدمون من اعطيناهم خمسة اصوات وثلاثة اصوات للتأثير على الناخبين .

ما اود قوله أن الشهادة العلمية ليست معياراً لضمان عدم تأثر الناخب بالدعايات وانما المعيار هو الوعي السياسي والذي اشرت سابقاً انه يكتسب ويتأصل في الشخص عن طريق الممارسة ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال صد هذا التأثير نهائياً وانما ستتفاوت درجته بحسب الوعي الفردي والجماعي في المجتمع .




ثانياً : مجلس الشورى ( البرلمان ) :


ووضع له اربعة مهام رئيسية :

التشريع والمراقبة والمسائلة وعزل الرئيس


وهذه العناصر موجودة في أي نظام يتبنى الديمقراطية ولا يوجد أي جديد أو اضافة ، بل إن بعض النظم قد تجاوزت هذه المرحلة ، كالديمقراطية شبة المباشرة المطبقة في سويسرا مثلاً ، فالشعب يمتلك الادوات اللازمة لضمان سير العمل السياسي بشكل سليم .

ومنها الاستفتاء الشعبي والاقتراح الشعبي والاعتراض الشعبي وحق اقالة الناخبين لنائبهم والحل الشعبي وعزل رئيس الجمهورية وغيرها من الحقوق والأدوات التي تجعل الشعب بنفسه يمارس حقوقه السياسية بدلاً من اسنادها للنواب ثم القاء الحبل على الغارب .

هذه الممارسة هي التي تخلق وعياً سياسياً يصعب اختراقة من قبل اصحاب الاموال ، اما عندما نحصر عمل الشعب السياسي في الانتخابات الرئاسية والنواب ثم يعود الفرد لفراشه للنوم إلى الانتخابات المقبلة فهذا الذي يجعله عرضه للاختراق ، سواء كان يمتلك شهادة أم لا يملك .



كلمة أخيرة :


آخر 20 صفحة من الكتاب هو بالتأكيد اهم ما جاء فيه ، كونه يطرح فكرة جديدة لنظرية سياسية يفترض انها تتجاوز النظريات السياسية الحالية ، إلا انني اعتقد انها تفتقر إلى عنصرين مهمين :


الأول : اضافة اشياء جديدة فعلياً ، فاغلب ما تم ذكره هي اساليب قديمة تم استخدامها في ارض الواقع وتم تجاوزها مع مرور الزمن ، وهذا لا ينطبق مع العنوان الفرعي من الكتاب " والنظام السياسي المنتظر " كون هذه الانظمة قديمة ، وينبغي معرفة ان ليس هناك نظام سياسي كامل وانما انظمة متفاوته في الايجابيات والسلبيات ، ومحاولة جمع ايجابيات كل نظام في نظام واحد لا يجدي نفعاً ، هو بحد ذاته اسمه " نظام " فتأكد إذا اخذته ستأخذه بايجابياته وسلبياته .


الثاني : أن فكرة فوكوياما بالتأكيد مضحكة ، وليس لدي شك في أن الأجيال القادمة سيسخرون من فكرته ويضحكون عليها ، ولكن في حين رغبة تقديم نظام سياسي جديد فينبغي أن يكون مشروح بدقة متناهية وبشكل مستفيض ، ويقتبس الكاتب من كتاب سيكلوجية الجماهير لجوستاف لوبون : " الكلمات التالية : ديمقراطية ، اشتراكية ، مساواة ، حرية فمعانيها من الغموض بحيث نحتاج مجلدات ضخمة لشرحها " (٨) فهل تكفي نظرية وسطية الحكمة ٢٠ صفحة ؟

ان النظرية اتت بشكل " اعم من العام " وهي بحاجة إلى توضيح اكثر ، وحتى ان اعتبرناه كالدستور ، فالدستور وحده لا يكفي ، فهناك لوائح داخلية توضح كيفية عمل وسير الاجراءات في مختلف الدوائر والجهات .


ولا ندري ربما يود الكاتب أن يوضح نظريته في كتابه القادم !






١- زكريا المحرمي ، استئناف التاريخ ص ١٢٢

٢- الفارابي ، اراء اهل المدينة الفاضلة ص ١٩٨

٣- ابن رشد ، تلخيص السياسة ص ١٤١

٤- الماوردي ، الاحكام السلطانية ص ١٩ بترتيب المكتبة الشاملة

٥- الجويني ، غياث الامم في التياث الظلم ص ٦٧ وما بعدها بترتيب المكتبة الشاملة

٦- ابن رشد ، المرجع السابق ص ١٤٢

٧- نعمان احمد الخطيب ، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري ص ٢٨١

٨- زكريا المحرمي ، المرجع السابق ص ٣٣





الأربعاء، 29 يناير 2014

حول كتاب " ثورة العقل " للدكتور عبد الستار الراوي



فرقة المعتزلة ، لم يرتبط هذا الاسم سابقاً في ذهني إلا وانه يدل على الخطأ المطلق ، فإذا ما كان هناك رأي واتضح لي انه للمعتزلة استبعده تماماً ، وكان هذا شيئاً طبيعياً كوّن قرائتي في اراء المذاهب عبارة عن تسليم مطلق لرأي مذهبي السُنّي وعلمائه ، وكما هو واضح من المعركة الفكرية التي حدثت بين المعتزلة والسنة عندما انشق من فرقة المعتزلة أبو الحسن الأشعري مؤسس المذهب الأشعري وكانت جل اعماله في نقض المذهب المعتزلي ، واستخدم هذا المذهب الأخير الغلو في الرد ونسبة اقوال للمعتزلة هم منها براء . واصبحوا المعتزلة كأنهم دخلاء على الإسلام والسبب في ذلك انهم يستخدمون العقل ! وإن كنت تريد أن تشتم احداً فقل له يا معتزلي !

بعد التعمق - قليلاً - في قراءة اراء المذاهب ، والتخلي عن مبدأ التسليم ، وبعد التيقن أن ليس هناك مذهباً يملك الحقيقة المطلقة ، والتحلي بمباديء كـ " كل يأخذ منه ويرد " و " الحق أحق أن يتبع " و " لا تنظر في من قال بل في ما قال " وبعد معرفة الأحوال السياسية في العصر الأموي والعباسي والتي لعبت دوراً كبيراً في شيوع الأفكار ودفنها ، وبروز الأفكار التي تخدم الطغاة واندثار ما لا يخدمهم ، كان أول لقاء فعلي جمعني مع المعتزلة عند بحثي في موضوع قدم العالم وحدوثه ، فكان لابد من التعرض لآرائهم لما كان لهم دور بارز في علم الكلام ، فعلى سبيل المثال وفي موضوع الطبيعيات " ظهرت فكرة الجوهر الفرد في الفكر الكلامي على يد ابي الهذيل العلاف احد رجال المعتزلة ، ثم اخذ بها اكثر المعتزلة وقد انتقلت إلى المذهب الأشعري والماتريدي .. " (١) ومن ثم الانتقال للرأي المعتزلي المخالف للجوهر الفرد والذي حمل لوائه ابراهيم بن سيّار النظّام ، صاحب نظرية الكمون والطفرة ، وكما يُقال في علم الكلام ثلاثة مسائل معقدة : كسب الاشعري وطفرة النظام واحوال ابي هاشم .

قررت بعدها أن اقرأ عن اصول هذا المذهب واراء علمائه ، ولكن هذه المرة لهم لا عنهم ، أو على الأقل من وجهة نظر محايدة ، فاخترت كتاب " ثورة العقل " للدكتور عبد الستار الراوي ، وبعد قراءة الكتاب يمكنني ان اقول الآتي :

سبق المعتزلة عصرهم وذلك لإعتمادهم الكبير على العقل ، وعدم انغلاقهم على النصوص والاكتفاء بظاهر الآيات ، بل كانوا منفتحين حتى على الحضارات والأديان الآخرى وذلك لإتساع رقعة الإسلام فكان لابد من التعاطي مع العقائد الآخرى ولا يكون ذلك إلا بالعلوم العقلية ، ونلاحظ ذلك في مؤلفات المعتزلة التي لم تصلنا اغلبها للأسف .

والتشغيب الذي حاولت بقية المذاهب اثارته على المعتزلة لاعتمادهم على العقل لا معنى له ، فالمعتزلة كبقية المسلمين يرون ان القرآن حق ، ولكن العقل يتقدم على النقل ترتيباً لا تشريفاً . أما بالنسبة للأحاديث فإنهم وافقوا الجمهور على أن احاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد .

ويعرض الكاتب مدرستَي المعتزلة ، البصرية والبغدادية ومميازة كل مدرسة عن الآخرى ، كذلك اعلام كل من المدرستين وأهم آرائهم ، ومن اهم اعلام مدرسة البصرة : واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبو الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظّام . أما اعلام المدرسة البغدادية : بشر بن المعتمر وثمامة بن الأشرس والجعفريين وأبو جعفر الاسكافي وأبو الحسين الخياط وأبو القاسم الكعبي .

بعد آرائهم  ربما سيتبادر في ذهنك السؤال التالي : لماذا استمرت هذه الفرقة لـ ١٠٠ عام فقط ، رغم انها تمتلك كل المقومات للبقاء ؟

يجيب الكاتب على ذلك ولكنه برأي لم يعطي لأهم سبب القدر الكافي وهو دخول معتزلة بغداد وتورطهم في السياسة ، بعكس معتزلة البصرة الذين كانوا حتى يرفضون تولي القضاء ، فلم يكتفي معتزلة بغداد في التوغل في مناصب الدولة والتقرب إلى الحاكم في زمن المأمون والواثق، بل فرضوا ارائهم على المخالفين سواء العوام أو العلماء بالقوة ، وحاولوا نشر مذهبهم بهذه الطريقة ، ولعل ابرز ما يوضح ذلك هي محنة خلق القرآن والتي ذاق منها الناس ذرعاً لدرجة أن هناك من ازهقت روحه وهناك من عُذّب وأخرون اعفوا من منصابهم . إلى جانب انتشار في المدرسة البغدادية التطرف والتكفير والتعنيف في الرد على الخصوم ومثال ذلك رأي أبو موسى المردار بتكفير من يقول بالجبر وتكفير الشاك في كفره والشاك في الشاك إلى ما لا نهاية .
إلى ان اتى المتوكل وانهى عن الجدال وهدد المعتزلة ولاحقهم (٢) ، فالتف الناس من حوله معتبرينه محررهم من الكبت الذي كانوا يعيشونه حتى انهم اطلقوا عليه " ناصر السنة " رغم انه كان يسرف في القتل والشرب وشغوفاً بالنساء .

الأمر الاخر الذي ذكره الكاتب والذي ادى إلى تلاشي فكر المعتزلة الانشقاقات المؤثرة التي حدثت في صفوفهم ، كأبو الحسن الاشعري الذي كان معتزلياً ثم ترك المذهب وألّف العديد من الكتب التي تنقض اراء المعتزلة ، كذلك ابن الراوندي الذي كان من اعلام المعتزلة ثم ما لبث إلى أن ترك المذهب وكتب كتابه " فضائح المعتزلة " 

كذلك انتصار التيار النقلي على العقلي وكان الفضل يعود لأبو حامد الغزّالي الذي اشاد بالمذهب الأشعري وسفه آراء المعتزلة والفلاسفة .

ولا يعني ذلك أن المعتزلة لم يكونوا قادرين على الرد بالحجة ، وانما كانوا ملاحقين مهددين بقطع رؤوسهم اذا ما كشفوا عن ارائهم .

الآن البعض يتحدث عن أهمية عودة الفكر المعتزلي ، واقول اننا بحاجة إلى فكر حر وليس اتباع مذهب معين ، فحتى المعتزلة وفي نفس المدرسة  كانوا مختلفين فيما بينهم ، وكل شخص يرد على الآخر .





لتحميل الكتاب :

http://www.booksjadid.com/2013/09/pdf_4420.html





-------------------------------

١- التصور الذري في الفكر الفلسفي الإسلامي ، د.منى أحمد ابو زيد

٢- الكامل في التاريخ لابن اثير ج ٦ ص ١٣٩ بترتيب المكتبة الشاملة