الجمعة، 14 فبراير 2020

الزواج بغير ولي


الزواج بغير ولي:

في الآونة الأخيرة تم تداول حكم صادر من إحدى المحاكم العمانية على شبكات التواصل الاجتماعي قد قضى برفض دعوى المدعية التي اقامت دعواها تطالب فيها بإثبات زواجها بالمدعى عليه كونهما كانا يدرسان بالولايات المتحدة الأمريكية، واتفقا على الزواج وتم عقد قرانهما بالمركز الإسلامي على يد أحد المختصين بعقد الزواج، وقد دخل عليها المدعى عليها وعاشرها معاشرة الأزواج بعد العقد، وعند عودتها إلى عمان أرادت توثيق عقد الزواج إلا أن المدعى عليه رفض ذلك وهي حامل منه، وقد تدخّل والد المدعية في الدعوى وطلب القضاء ببطلان عقد الزواج لأنه غير موافق عليه، فحكمت المحكمة برفض دعوى المدعية وببطلان عقد الزواج. وقد أسست المحكمة حكمها على أن زواج المدعية وقع بدون إذن وليها ورضاه، فلا تملك المرأة نكاح نفسها بحسب ما ذهب إليه جمهور الأمة واعتمده قانون الأحوال الشخصية.
وما نود بيانه في هذا المقال إزالة اللبس الذي وقع فيه البعض حين اعتبر أن المرأة قد وقعت في الحرام بما أن الحكم حكم ببطلان عقد الزواج، كما نود بيان أنه إذا كان العقد باطلًا قانونًا بحسب قانون الأحوال الشخصية فلا يعني أنه مخالف للدين أو للشريعة الإسلامية، وقد أحسن الحكم عندما ذكر شرط موافقة الولي أنه رأي "الجمهور" والذي اعتمده قانون الأحوال الشخصية. فقد يكون عقد الزواج باطلًا في عمان ولكنه عقد صحيح في الولايات المتحدة الأمريكية –أو أي دولة أخرى- والذي كما يظهر أنه أخذ برأي "الأقلية" لاسيما وأن عقد الزواج قد تم عقده في مركز إسلامي كما ورد في الحكم.
للزواج وفقًا لقانون الأحوال الشخصية أربعة أركان: 1- الإيجاب والقبول. 2- الولي. 3- الصداق. 4- البينة. كما نصت عليه المادة (16) من القانون.
والمطالع لقانون الأحوال الشخصية يلاحظ أنه اعتمد على مواده على آراء مختلفة من الفقه ولم يكتفي على مذهب واحد، فاشتراط في الزواج على موافقة وإذن الولي هو رأي أكثر الفقهاء ولكنه ليس رأي مجمع عليه بل مختلف فيه.
يذكر الماوردي في كتابه الحاوي الكبير على أن الفقهاء قد اختلفوا على ستة مذاهب حول القول في اشتراط الولي في عقد النكاح (فإن أرادت المرأة أن تنفرد بالعقد على نفسها من غير ولي، فقد اختلف الفقهاء فيه على ستة مذاهب. مذهب الشافعي منهاأن الولي شرط في نكاحها لا يصح العقد إلا به وليس لها أن تنفرد بالعقد على نفسها، وإن أذن لها وليها سواء كانت صغيرة أو كبيرة، شريفة أو دنية، بكرا أو ثيبا. وبه قال من الصحابة عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهم .ومن التابعينالحسن، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وشريح، والنخعي، ومن الفقهاءالأوزاعي، والثوري، ابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفةإن لم يكن عليها في مالها ولاية لبلوغها وعقلها لم يكن عليها في نكاحها ولاية، وجاز أن تنفرد بالعقد على نفسها وترده إلى من شاءت من رجل أو امرأة ولا اعتراض عليها من الوالي إلا أن تضع نفسها في غير كفء، وإن كان عليها في مالها ولاية لجنون أو صغر لم تنكح نفسها إلا بولي.
قال مالكإن كانت ذات شرف أو جمال أو مال صح نكاحها بغير ولي.
وقال داودإن كانت بكرا لم يصح نكاحها إلا بولي، وإن كانت ثيبا صح بغير ولي.
وقال أبو ثورإن أذن لها وليها جاز أن تعقد على نفسها، وإن لم يأذن لها لم يجز.
وقال أبو يوسفتأذن لمن شاءت من الرجال في تزويجها دون النساء ويكون موقوفا على إجازة وليها.( (1)
وجاز القول أن هناك ثلاثة آراء رئيسة: الرأي الأول من يشترط موافقة الولي، والرأي الثاني من يشترط موافقة الولي في ظروف معينة، والرأي الثالث من لا يشترط موافقة الولي.

الأدلة من القرأن الكريم:

استدل القائلون باشتراط موافقة ولي المرأة على الآيات القرآنية منها: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) (البقرة/232)
واستدل الشافعي على هذه الآية أنه يشترط موافقة الولي (لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة من له سبب إلى العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء والزوج إذا طلقها فانقضت عدتها فليس بسبيل منها فيعضلها وإن لم تنقض عدتها فقد يحرم عليها أن تنكح غيره وهو لا يعضلها عن نفسه وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقا وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف) (2)
وقد أجاب السرخسي على استدلال الشافعي على الآية أن المقصود في الآية: (المراد بالعضل المنع حبسا بأن يحبسها في بيت ويمنعها من أن تتزوج، وهذا خطاب للأزواج فإنه قال في أول الآية: (وإذا طلقتم النساء) وبه نقول: أن من طلق امرأته وانقضت عدتها فليس له أن يمنعها من التزوج بزوج آخر) (3)
وهو قول سديد لاسيما أن المخاطب في الآيات من الآية 226 من سورة البقرة هم الأزواج في حالة العزم على الطلاق، وفي الآية 232 من سورة البقرة تكون آخر مرحلة من الطلاق وهي بلوغ الأجل أي انقضاء العدة، فلا سبيل هنا للحديث عن الولي.
أما القائلون بعدم اشتؤاط موافقة الولي للمرأة فقد استدلوا بالآية: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) (البقرة/234) فقال أبو حنيفة: (فنسب النكاح إليهن ورفع الاعتراض عنهن) (4) كما استدلوا بالآيات (حتى تنكح زوجا غيره) (البقرة/230) ولقوله تعالى (أن ينكحن أزواجهن) (البقرة/232) (أضاف العقد إليهن في هذه الآيات فدل أنها تملك المباشرة) (5)

الأدلة من الروايات المنسوبة إلى الني محمد:

وقد تعمدت من ذكر هذا التوصيف؛ كون الفقهاء شككوا في الروايات التي يستدل بها الطرف الآخر سندًا ومتنًا، وهي رويات كثيرة نذكر أبرزها.
لعل من أبرز الروايات التي استدل عليها القائلون باشتراط موافقة ولي المرأة هي ما رواه الشافعي عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، وإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن اشتجروا -أو قال: اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له.)
واعترض القائلون بعدم اشتراط موافقة الولي للمرأة بالاستدلال على هذه الرواية من ناحية السند والمتن: (أحدها: أن قالوا: مدار هذا الحديث على رواية الزهري وقد روى ابن علية عن ابن جريج أنه قال لقيت الزهري فسألته عنه قال: لا أعرفه. (...) والثاني أن قالوا: هذا الحديث لا يصح عن عائشة فقد رويتموه عنها، لأنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن وكان غائبا بالشام، فلما قدم قال: أمثلي يقتات عليه في بناته فأمضى النكاح. وقيل إن ما روته من الحديث أثبت عند أصحاب الحديث، مما روي عنها من نكاح ابنة أخيها. (...) والثالث أن قالوا: هو محمول على من عليها من النساء ولاية بصغر أو رق وتلك لا يجوز نكاحها إلا بولي، وقد روي في الخبر: أن امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل، فاقتضى صريح هذه الرواية حملها على الأمة، ودليل تلك آكد وأن حمله على الصغيرة وخرجت الحرة الكبيرة في الروايتين (...)) (6)
وقد استدل القائلون بعدم اشتراط موافقة ولي المرأة على روايات منها: (قوله -صلى الله عليه وسلم- : (الأيم أحق بنفسها من وليها) والأيم: اسم لامرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، وهذا هو الصحيح عند أهل اللغة، وهو اختيار الكرخي -رحمه الله تعالى- قال: الأيم من النساء كالأعزب من الرجال (...) وقال -صلى الله عليه وسلم-:(ليس للولي مع الثيب أمر)، وحديث الخنساء حيث (قالت: بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من أمور بناتهم شيء) (ولما خطب رسول الله أم سلمة -رضي الله عنها- اعتذرت بأعذار من جملتها أن أولياءها غيب فقال: -صلى الله عليه وسلم- ليس في أوليائك من لا يرضى بي قم يا عمر فزوج أمك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاطب به عمر بن أبي سلمة وكان ابن سبع سنين) وعن عمر وعلي وابن عمر -رضي الله تعالى عنهم- جواز النكاح بغير ولي، وأن عائشة -رضي الله تعالى عنها- زوجت ابنة أخيها حفصة بنت عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، وهو غائب فلما رجع قال: أومثلي يفتات عليه في بناته، فقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: أوترغب عن المنذر؟ والله لتملكنه أمرها) (7)
وعلى أية حال لا يمكن التعويل على الروايات المنسوبة إلى النبي -والتي كما رأينا أنها متضاربة- للخروج بشيء قطعي، فكل رواية تناقض الرواية الأخرى، وكل فريق يشكك في الرواية المقابلة سندًا ومتنًا. (8)

الأدلة العقلية:

ونقصد بالأدلة العقلية كما هو سائد عند الأصوليون أي مصدر آخر من مصادر التشريع التي وضعها الأصوليون غير القرآن والسنة.
أما القائلون باشتراط موافقة ولي المرأة فإنهم قالوا (أن المرأة إنما منعت الاستقلال بالنكاح، لقصور عقلها، فلا يؤمن انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة، وهذا مأمون فيما إذا أذن فيه وليها (...) والعلة في منعها، صيانتها عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال، وذلك ينافي حال أهل الصيانة والمروءة، والله أعلم.) (9)
أما القائلون بعدم اشتراط موافقة ولي المرأة فقالوا: (أن كل من جاز له التصرف في ماله جاز له التصرف في نكاحه كالرجل طردا والصغير عكسا، ولأنه عقد يجوز أن يتصرف فيه الرجل فجاز أن تتصرف فيه المرأة كالبيع، ولأنه عقد على منفعة فجاز أن تتولاه المرأة كالإجارة، ولأن لما جاز تصرفها في المهر وهو بدل من العقد جاز تصرفها في العقد.) (10)
والمتأمل في الرأين يرى أن الرأي الأول قد بنى رأيه لدفع مضره قد تتحقق، وهو كما يُعرف في أصول الفقه بالمصالح المرسلة، والمصالح المرسلة بشكل عام تخضع لظروف زمانية ومكانية معينة وتتغير أحكامها بتغير الزمان والمكان، كما أن الفقهاء غالوا في استخدامها في سبيل دفع المضرة. أما الرأي الثاني قد بنى رأيه على القياس والمعروف في أصول الفقه على انه الحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر منصوص على حكمه لاشتراكهما في العلة، ولو أن للقياس مآخذ إلا أن أغلب الأصوليون عدوه المصدر الرابع من مصادر التشريع، وهو في هذه المسألة أقوى حجة من الرأي الأول.

الخلاصة:

بعد عرض أدلة القائلين باشتراط موافقة ولي المرأة والقائلين بعدمه في الزواج، نرى أن الرأي الراجح هو عدم اشتراط موافقة ولي المرأة، ذلك أنه لم يرد في القرآن الكريم من وجوب هذا الشرط، وإن الآية التي استدل بها القائلون بلزوم هذا الشرط غير صريحة وقد اخرجت من سياقها، وعلى العكس من ذلك نرى أن الآيات التي استدل بها القائلون بعدم لزوم الشرط تدل أن للمرأة أن تزوج نفسها دون ولي. كما أن الروايات قد جاءت متناقضة ولم يصح منها شيء.
أما عن القول أن سبب اشتراط الولي هو لصيانه المرأة عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال، وذلك ينافي حال أهل الصيانة والمروءة، فهو استدلال قد يكون في محله إذا اعدناه إلى زمانه ومكانه، كما أنه افتراض يفترض فيه أسوء الأحوال وهو افتراض ظرفي، وكما أسلفنا أنه قد يتبدل الحال من زمان ومكان. بل بإمكانما القول أن سبب الخلاف الذي وقع فيه الفقهاء حول هذه المسألة، وأن القول باشتراط موافقة الولي هو رأي الجمهور، يعود إلى العادات والتقاليد في ذلك الزمان والمكان، فقد كانت القبائل في ذلك الوقت تهتم بأمور كالنسب والمهر وأن الأولياء يتفاخرون بكمال مهر المرأة ويعيرون بنقصان مهرها، ولتجنب ذلك كان لابد أن تكون لهم الكلمة، ولقد فطن لذلك السرخسي فقال: (وإذا أكرهت المرأة الولي على أن يزوجها بأقل من مهر مثلها فزوجها ثم زال الإكراه فرضيت المرأة، وأبى الولي أن يرضى فليس له ذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لأن المهر من خالص حقها فإنه بدل ما هو مملوك لها ألا ترى أن الاستيفاء والإبراء إليها والتصرف فيه كيف شاءت، وتصرفها فيما هو خالص حقها صحيح فلا يكون للأولياء حق الاعتراض وأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- يقول: إنها ألحقت الضرر بالأولياء فيكون لهم حق الاعتراض كما لو زوجت نفسها من غير كفء، وبيان ذلك أن الأولياء يتفاخرون بكمال مهرها ويعيرون بنقصان مهرها فإن ذلك مهر المومسات الزانيات عادة وفيه يقول القائل:
وما علي أن تكون جاريه ... تمشط رأسي وتكون فاليه
حتى ما إذا بلغت ثمانيه ... زوجتها مروان أو معاويه
أختان صدق ومهور غاليه
ومع لحوق العار بالأولياء فيه إلحاق الضرر بنساء العشيرة أيضا فإن من تزوج منهن بعد هذا بغير مهر فإنما يقدر مهرها بمهر هذه فعرفنا أن في ذلك ضررا عليهن، وإنما يذب عن نساء العشيرة رجالها فكان لهم حق الاعتراض فأما بعد تسمية الصداق كاملا صار حق العشيرة مستوفى، وبقاء المهر يخلص لها فإن شاءت استوفت وإن شاءت أبرأت) (11)

  ________________________
(1) الماوردي، كتاب الحاوي الكبير، ج 9، ص 38
(2) الشافعي، الأم، ج 5، ص 13
(3) السرخسي، المبسوط، ج 5 ، ص 12
(4) الماوردي، مرجع سابق ص 38
(5) السرخسي، مرجع سابق، ص 12
(6) الماوردي، مرجع سابق، ص 39
(7) السرخسي، مرجع سابق، ص 12
(8) للمزيد انظر، بدر الدين العين، البناية شرح الهداية، ج5، ص71
(9) أبي قدامة، المغني، ج7، ص 8
(10) الماوردي، مرجع سابق، ص 39
(11) السرخسي، مرجع سابق، ج 5، ص 14















السبت، 16 سبتمبر 2017

الحديث مع الطبيعة

لقد وجد اللحظة المناسبة ليقوم برحلته الخاصة، فبعد أن كشفت الشمس عن نفسها بعد أن كانت مختبئة خلف ستار الغيوم، انطلق إلى رحلته التي أراد أن يبحث فيها عن شيء لا يدري في حقيقته ما هو، لقد كان متيقن أنه يستطيع أن يصل إلى ما يريد من خلال الطبيعة، فمن خلال كلامه إلى الطبيعة سيصل إلى غايته.

  • "لا اعتقد أن داروين كان يدري ما ينتظره وهو في سفينة البيجل"

قال هذه الكلمات بعد أن التفت إلى خلفه ورأى أن البيت الذي يقطنه قد توارى عن الأنظار، كانت الغابة التي يسير فيها تبعد ثلاثة عشر خطوة من مقر سكناه، لم تكن هذه المرة الأولى التي يمشي فيها وسط الغابة، ولكنها المرة الأولى التي يقرر فيها أن يخاطب الطبيعة وحيدًا، لقد أتاها طائعًا.

  • "أو كشخص يبحث عن الله"




حيث إنه لم يكن متأكد مما يريد، كل ما يريده فقط هو المضي قدمًا وينظر حينها إلى أين سيستقر، لقد سمح لعقله أن يسبح في ملكوت الطبيعة كما أسماه، وأن لا يوجهه إلى مكان معين ويعطيه الحرية المطلقة، كان يحاول أن يصل إلى تلك المرحلة عبر التفكير في اللاشيء، حتى خطى أقدامه لم يكن يفكر فيها ولا في الاتجاه الذي سيسلكه، لم يكن يفكر فضلًا عن اتخاذ قرارات، كان يسير كالسائر أثناء نومه.
كانت أشعة الشمس تخترق المساحات الخالية من جذوع الأشجار العالية وتضيء مساحات صغيرة، ومن هذه المساحات المضاءة كانت تنمو الحزازيات على مساحة واسعة منها، توقف عندها وأطال النظر في الحزازيات.



  • "ليس بعد، لم تأتي اللحظة المناسبة للحديث مع الطبيعة بعد"

أكمل السير ولقد كان محبط بعض الشيء، كان يرجو ألا تخذله الطبيعة وتتجاهله وترفض الحديث معه. كان يبتعد عن أي شيء يدل على وجود إنسان في ذلك المكان، كان يريد أن يقابل الطبيعة وحيدًا، ولقد استطاع الوصول إلى المكان الذي كان يقصده، الطبيعة وحدها ولا وجود لأي أثر أن إنسان قد مر من هناك.
وسط الدرجات المختلفة للون الأخضر الذي يكسي الغابة من كل جانب، لمح ورقة حمراء، وهرع مباشرة إليها ولقد لاحظ عدة أوراق أيضًا حمراء أو في طريقها إلى الإحمرار.


  • "لماذا هي حمراء؟ هل هي مريضة أم سامة أم أن فصل الخريف قد حلّ" تساءل

  • " لا يهم، فلست عالم نبات، ما يهمني هو أنها جميلة"

وما أن نظر إليها بعد أن وضع الاحتمالات على كونها جميلة، لمسها بيده ولم يكن يهتم بحقيقة ما تكون الأسباب.

  • "المرض، القتل، الانحلال، كلها أمور تؤدي إلى أمر واحد وهو الموت، هل الموت جميل لهذا الحد؟"

قد كان هذا هو منطلق الحوار مع الطبيعة وهو الموت، لقد بدأ عقله يسبح في محيط الموت الواسع، ويرى عالم الأموات في كل مكان، لقد كان يرى كل شيء يرمز إلى الموت، ولقد شعر به وأنه يقترب إليه، لقد سبح إلى هذا العالم العميق الذي لا يعلم أحد ماذا يوجد في قاعه، فكل من ذهبوا إلى هناك لم يعودوا ليخبرونا ما الذي وجدوه.
وبدأ يتحدث مع الطبيعة ليكتشف هذا الجزء الهام منها وهو الموت، يسألها فتجيب وفي أحيان كثيرة تعطيه الطبيعة الفرصة ليجيب على نفسه، توقف عند شجرة الخمان، ونظر إلى ثمارها السوداء.



  • "عادةً ما تكون الثمار هنا سامة"

قال بعد أن أشاح النظر عنها ومضى في طريقة.

  • "ولكن لماذا هي سامة؟ هل لتدافع عن نفسها؟ هي محقة في ذلك، لم يسألها أحد هل إذا كان بالإمكان أن يأخذ الثمار التي تعبت من أجلها للحصول عليها، بمنطقنا هذا اغتصاب أو احتلال"

وخلال إكماله السير في وسط الغابة وانغماسه في الحديث مع الطبيعة تذكر أن الحديث مع الطبيعة هي وسيلة ليصل إلى الشيء الذي يبحث عنه والذي إلى تلك اللحظة لم يتوصل إليه بعد، ساورته الشكوك أنه في الحقيقة يتهرب من هذه الفكرة أو الشيء الذي يبحث عنه، وكعادته لقد تاه عقله لولا أن تدخلت الطبيعة وبدأت الحديث معه، فقد شاهد ريش لطائر ليس للطائر فيه أي أثر.


  • "لقد مات طائر من الطيور، وعاش ثدي من الثديات"

قال وهو يقلب الريش المتناثر

  • "الموت هو أصل الحياة"

قال وكأنه توصل إلى استنتاج نهائي، وأكمل طريقه وبدأ يتحدث ولو بدى حديثه غير مرتب.

  • "هل نحن جزء من الطبيعة؟ بكل تأكيد... أتوقع.. لا اعرف، ولكن أتوقع أننا متشابهون، لأن الطبيعة على كل حال لها تأثير علينا، إذا كانت تأثر علينا هل نحن كذلك نؤثر عليها؟ أتوقع هي تأثر علينا، اعتقد إذا ما تحدثنا عن الإنسان بمعية الطبيعة فإنه ضعيف... الطبيعة وجدت قبل الإنسان، وتحملت أكثر من الإنسان، زلازل، أعاصير، براكين، وأشياء أكبر من ذلك بكثير.... الموت والحياة يظهران أكثر على الطبيعة بعكس الإنسان، لكي تستمر الحياة لابد من وجود الموت، وهذا الشيء تلاحظه في الطبيعة وليس الإنسان، الإنسان عاطفي بعكس الطبيعة، الإنسان يكره الموت، يحاول أن يحاربه ولكن في النهاية لن يقضي عليه... أما هل نحن نؤثر على الطبيعة نحن نؤثر على الإنسان وليس الطبيعة، تلوث البيئة؟ الإنسان من سيدفع الثمن وليس الطبيعة، الطبيعة إذا فقدت ملايين الأشجار ستنمو بدلها ملايين أخرى، اعتقد أن الإنسان متكبر حتى يظن أن بإمكانه أن يقضي على الطبيعة..... لا أدري.. هه الموضوع الذي يشغل عقلي.. ألا أريد أن أتحدث عنه؟ لقد تسارعت خطوات أقدامي وكأنني أريد العودة في أسرع وقت ممكن.... أريد أن أكون بمفردي مع الطبيعة وأتجنب أي مظهر يدل على وجود الإنسان... ولو إني إنسان يتحدث بمفرده في الغابة ويحدث نفسه، شعور غريب.... الإنسان كائن غريب في الأصل.. كائن غريب... ليست حكمة، ربما استنتاج... ما يدور في عقلي الآن أفكار غريبة، هل نستطيع أن نخدع أنفسنا؟ ربما بدون أن نشعر..."

عندها التزم الصمت وتوقف عن الحديث مع الطبيعة وتوقفت هي أيضًا عن ذلك، وبدأ يعيد ترتيب ما يسميه بمكتبه عقله، وينظفها، كان يبحث عن شيء وقد كان يظن أنها فكرة، ولكن بعد غربلة ما يسميه مكتبه عقله توصل أخيرًا إلى ما يبحث عنه، لم يكن يبحث عن فكرة أو خيال أو مستقبل، لقد كان في حقيقة الأمر يبحث عن ذكريات، لقد بدأ يقلب هذه الذكريات ويعيدها مرارًا وتكرارًا، فلم يجد فرصة مناسبة لتذكر كل هذا الكم من الذكريات، ولم يكن للحديث مع الطبيعة أي علاقة بهذه الذكريات أو موضوع الموت والحياة، وإنما كان كما شكّ في بداية الأمر أنه يتهرب منها ولم يجد أحد ليخاطبه سوى الطبيعة.





الاثنين، 27 فبراير 2017

عقوبة الإعدام

عقوبة الإعدام

هل يمكن استبدال عقوبة الإعدام؟
الإجابة التي أود أن أطرحها هي إجتهاد شخصي، بل إن نهاية الإجابة التي على وشك أن تطرح تعيدنا للسؤال مرة أخرى، فالهدف من الإجابة ليست هي الإجابة في حد ذاتها، ولكن تهدف الإجابة إلى وضع الإحتمالات والتي يستبعدها شريحة كبيرة من الناس سواء أكان المتخصص أو غير المتخصص، سواء أكان ذلك من الناحية الشرعية أو القانونية أو الفكرية أو أي منطلق آخر يبني فيها الشخص قناعاته وأفكاره.



ولو تحدثنا عن عقوبة الإعدام في عالمنا العربي والإسلامي فإن الإجابة ستكون معلومة، بل إن الأغلبية الساحقة ستؤيد عقوبة الإعدام وذلك لأسباب مختلفة ولعل اهمها هي الأسباب الدينية والتي تأخذ مكان ذا أهمية في حياة الفرد والمجتمع والتي من ضمنها الحدود الشرعية والتي وردت بنصوص قد تكون قطعية في بعض الأحيان من حيث اللفظ والمعنى.
إذا ما أردت أن أجيب وأقول أنه من الممكن أن نستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة أخرى لعل أول ما سأصطدم به هو قول القائل: أتنكر نص من نصوص القرآن؟

ويعتبر هذا السؤال وهذه الحجة وهي ورود نص في القرآن الكريم والذي يتفق المسلمون على أنه المصدر الأول للتشريع مع إختلافهم في المصادر الأخرى من أقوى الحجج. ولهذا سيكون بالأهمية بمكان أن نناقش النصوص الواردة في القرآن الكريم أولًا كون أن هذا المصدر هو المصدر الذي يتفق عليه جميع المسلمين.

نعود إلى قول القائل: أتنكر نص من نصوص القرآن؟ إذا ما كنت أود الإجابة بأنه يمكن إستبدال عقوبة الإعدام.

وللإجابة على سؤاله فنقول لا، لا ننكر أي نص من نصوص القرآن الكريم، ونعترف ان النص الوارد في عقوبة الإعدام في القرآن الكريم واضح تمامًا. وقد وردت هذه العقوبة في القرآن الكريم في حالة واحدة فقط لا غير وهي القصاص بمعنى قتل النفس عمدًا. اما ما توسع فيه الفقهاء والتفرقة التي وضعوها وأضافوها في أحايين أخرى فلا علاقة لنا بها في هذا الموضوع.

فنص القصاص نص واضح ولا ننكره ونقول به، وليس للإجابة التي نود أن نطرحها مشكلة مع هذه النصوص فالإجابة تفترض إمكانية إستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة أخرى والتي نقترح أن تكون السجن مدى الحياة لأسباب سنذكرها لاحقًا.
ولعل هذه الإجابة ستثير حفيظة شريحة كبيرة من الناس وقد يتهموك بالزندقة أو العمالة للغرب أو أنك الدجال وأقلها الكفر. ويعود السبب في ذلك أن عقل المسلم اليوم تغلب عليه الحرفية في النصوص، فهو  صاحب عقل نصوصي جامد يهتم بحرفية النص أكثر من هدف النص وغايته، لا يهم لديه إذا تحققت الغاية من هذا النص أم لا، المهم عنده التمسك بهذا النص سواء حقق غاية أم لم يحقق.

فالقول بإمكانية إستبدال عقوبة الإعدام في حالة أن شخص قام بقتل شخص آخر متعمدًا لا يعني بالضرورة أنك تنكر نص من القرآن وأنك مرقت من الدين، وإنما وبحسب الظروف المتغيرة في هذا العالم وما يتبعه من تغيرات في كافة مجالات الحياة قد تقضي بإستبدال عقوبة واردة فيها نص بعقوبة أخرى، بل حتى لو كان هناك نص وقضت ظروف الزمان والمكان بعدم إعمال النص لجاز عدم إعماله، ولا يكون ذلك بطريقة عشوائية أو تخبط وإلا جاز القول أن نترك القرآن ونصوصه جانبًا لأنه غير ذي فائدة في هذه الحالة، ولكن نعني بذلك في حالة إستبدال أو عدم إعمال نص هو أن هذا النص أصبح لا يؤدي غايته، أو أن ظروف الزمان والمكان قد تغيرت وأصبح من غير الممكن تطبيقه لأن الأهم في الأول والأخير هو الهدف والغاية من هذا النص.

ولعل ما يدعم هذا القول والذي اعتبره أقوى مثال هو عندما قام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم وسهم المؤلفة قد ورد فيه نص في القرآن فقام عمر بن الخطاب بإلغائه وذلك لأن الهدف من هذا السهم هو تأليف قلوب من هم على غير دين الإسلام، كون تلك الفترة كانت دولة الإسلام صغيرة ومحدودة وتحيط بها الأخطار من كل جانب، أما في زمن عمر بن الخطاب فقد توسعت رقعة الإسلام وأصبحت دولة ذي قوة وبأس، وبهذا رأى عمر بن الخطاب أن هذا السهم قد أصبح لا يحقق غايته المنشودة وقام بإلغائه أي إلغاء تطبيقه ولم يعترض على أمر عمر بن الخطاب أحد ولم يشكك أحد في دينه أو قال أنه قد عطل حكم إلهي وارد ومذكور في كتاب الله، بل وإلى اليوم نحن نتلوا هذه الآية ولا أحد يقوم بتطبيقها، فإذا أمكن إيقاف حكم وارد في القرآن ألا يمكن استبدال حكم بآخر؟

وفي عام الرمادة قام كذلك عمر بن الخطاب بوقف عقوبة السرقة كون أن البلاد كانت تعاني في تلك الفترة من المجاعة، وهو أدرك بذلك بعد أن جيء به بصبي وقد سرق أكلًا أن الصبي ما سرق إلا لأنه يتضور جوعا، وقد سرق ذلك ليتشبت بالحياة، لم يسرق ليزيد غنى على غناه. فأوقف بذلك عقوبة السرقة.

ومن الأمثلة الأخرى هي الآيات التي تتحدث عن الرق والعبيد وملك اليمين، حيث أن الرق أصبح من الأمور المحرمة فلا تجد من يعتق عبد أو له جواري، ولو أن شخصًا قال بجواز أن تملك يمين لشنعوا عليه أيما تشنيع ووصفوه بالشيطان كما حدث مع أحد المنادين بعودة ملك اليمين في عصرنا الحديث، ولم يلقى قبول من أحد ولو أنه ورد في القرآن وكان معمول به لفترة طويلة من التاريخ الإسلامي.

وتوجد امثلة أخرى لا يسع الحديث عنها وذلك أن غاية النص قد لا تحقق بتطبيق النص تطبيقا حرفيا وإنما تتحقق إما بعدم إعماله أو تغيير أسلوب تطبيقه.

عقوبة السجن مدى الحياة بديلًا عن عقوبة الإعدام:
إذا ما عدنا إلى عقل المسلم اليوم وسئلناه عن عقوبة السجن بشكل عام رأيته لا يعاني من أي مشكلة معها ويعتبرها عقوبة لا بأس بها ولا توجد بها مشكلة، مع أن عقوبة السجن هي عقوبة مستحدثة لم يرد بها أي نص، فلا توجد أي آية في القرآن الكريم تشير إلى عقوبة السجن، مع ذلك هذه العقوبة اليوم معمول بها في جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية.
إذا ما أردنا أن نفهم عقوبة الإعدام الواردة في القرآن الكريم فيجب علينا أن نعي الزمن الذي نزل فيه القرآن والظروف الذي كانت تحكمه، وكما أسلفنا أن في ذلك العصر لم يكن هناك سجون حتى تكون هناك عقوبة من ذلك النوع. إن القاتل عندما يقتل متعمدًا ويخطط لهذا القتل، بل لو أخذنا أبشع صورة للقاتل وهو الذي يتلذذ بالقتل فهو سفاح عنده القتل وتنفس الهواء أمر واحد كان في السابق يعدم والغاية من ذلك هو فصله عن المجتمع حتى لا يؤذي أفراده ولا يقتل الشخص الثاني والثالث ..الخ حيث لم تكن هناك طريقة أخرى لفصل هذا القاتل عن المجتمع سوى إعدامه، ولكن مع مرور الزمان استطاع الإنسان أن يبني السجون ويضع فيها المجرمين الذي يريد فيه أن يفصلهم عن المجتمع في مكان واحد حيث لا يختلطوا أو يحتكوا به.

إن عقوبة الإعدام ترد عليها بعض السلبيات وتقوم عقوبة السجن مدى الحياة بتغطيه هذه السلبيات مما يجعلنا نعتقد بأصلحية عقوبة السجن مدى الحياة على الإعدام ونذكر ذلك خلال النقاط التالية:

1- في عقوبة الإعدام إذا ما اكتشفت أدلة جديدة تبرئ المتهم فإن إصلاح هذا الخطأ يصبح عديم الفائدة كون أن المتهم قد قضى نحبه، أما في عقوبة السجن مدى الحياة فإن إمكانية تصحيح الخطأ تظل قائمة وتستطيع أن تعوض ما يمكن تعويضه.

2- في عقوبة الإعدام وبعد تنفيذ الحكم لا يمكن الإستفادة من الشخص لأنه ميت، أما في عقوبة السجن مدى الحياة فيمكن الإستفادة من الجاني كالقيام بالأعمال الشاقة.  

3- قد تستغل عقوبة الإعدام لأغراض سياسية تهدف فيها التخلص من المعارضين وذلك عبر التخلص منهم بتلفيق التهم ضدهم وإصدار أحكام الإعدام ضدهم وهذا ما نراه يحدث في كثير من البلدان التي تتبنى عقوبة الإعدام. ناهيك عن أحكام الإعدام التي تصدر ضد الأطفال وأحكام الإعدام التي تكون بشكل سري. أما في عقوبة السجن مدى الحياة فإن الشخص يظل حيًا ويبقى هناك أملا ولو بسيط بأن يخرج من السجن كقيام تطورات في المشهد السياسي.

4- في عقوبة الإعدام قد تقبل عائلة القتيل الدية وبهذا يفلت المجرم من العقاب، وهذا يشكل خلل حيث إن كان القاتل ذو مال وجاه وعائلة القتيل فقيرة قد يقبلون الدية ولا تتحقق عقوبة الإعدام، فميزان قبول الدية غير متوازن بل يتأرجح حسب المال والجاه ولإعتبارات أخرى.

5- لم تحقق عقوبة الإعدام الردع العام رغم قسوتها، وذلك أن المتمسكين بعقوبة الإعدام يحتجون بأنها عقوبة رادعة حيث لا تتساهل مع هذا النوع من الجرائم، ولكن الواقع يقول خلاف ذلك، فالدول التي تتبنى عقوبة الإعدام ما زالت جرائم القتل تحدث فيها وقد تكون بنسب كبيرة أيضًا، فقد نشرت منظمة العفو الدولية دراسة بعنوان ذكرت فيها أن عام 2015 شهد ارتفاعاً هائلاً في عدد الأشخاص الذين أعدموا- ما لا يقل عن 1,634- وهو أعلى عدد سجلته منظمة العفو الدولية منذ 1989

إن عقوبة السجن مدى الحياة تحقق الغاية المنشودة وهي عزل المجرم عن المجتمع وعلاوة على ذلك تستفيد منه بجعله ينجز بعض الأعمال، فتصح أن تكون بديلا عن عقوبة الإعدام والتي كانت تحقق ذات الغاية ولكن مع بعض السلبيات. ونحن عندما نتحدث عن عقوبة السجن مدى الحياة نعنيها بكل ما تحملها الكلمة من معنى فليس هناك سبيل إلى أن المحكوم يخرج من السجن لأي سبب كان بإستثناء إذا ظهرت أدلة جديدة تبرأه من الجريمة. ثم إن النص القرآني لا يشجع على قتل النفس البشرية وحتى إن قتل متعمدا بل يرى أن العفو خير ولذلك نرى أن الله يقول في كتابه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ"

وفي النهاية جاز لنا أن نسأل: ألا يمكن استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة السجن مدى الحياة؟ ألا يجوز الإجتهاد في هذه المسألة ونفعل كما فعل عمر بن الخطاب نستشف الغاية بدلًا من أن نتبع النص حرفيًا؟

الخميس، 19 نوفمبر 2015

إعتداءات باريس، الجذور والنتائج






لقد إستطاعت أوروبا أن تجعل من قيمة الفرد في مجتمعاتها غالية وقيّمة، وما إن حدثت الإعتداءات في باريس إلا وتناقلت وسائل الإعلام هذه الأخبار واُستنكرت هذه الهجمات من شرق  الكرة الأرضية إلى غربها، توشحت البنايات وصور العرض في حسابات التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا، ولا تُلام أوروبا في ذلك عندما جعلت هذه قيمة الإنسان، بينما جعلناها في أسفل السافلين، حيث يموت نفس العدد الناتج من هذه الاعتداءات في الوطن العربي.

في هذا المقال سأسلط الضوء على نقطتين رئيسيتين وهما الجذور والنتائج:

الجذور:

وأقصد بالجذور هنا عن مبررات هذه الإعتداءات من المنطلق الديني، فهناك شريحة تتفق مع هذه الإعتداءات وآخرين لا يتفقون ولكن من حيث لا يدرون هم يتفقوا.

هناك مقولة للشيخ حسن فرحان المالكي يقول بتصرف: لا يمكن هزيمة داعش إلا بالقرآن، وهذه مقولة عميقة، حيث بغير القرآن فإن فكر داعش لا محالة منتصر، وما يحدث اليوم في الوسط الديني فعليًا أن القران أصبح مهجورًا ومهمش، لا عليك من قولهم أن القرآن المصدر الأول في التشريع فهو كلام ليس له حظ من الواقع، حيث أن كتب الحديث وشروحاته وأقوال الفقهاء تعلوا على القرآن، وإذا ما جئنا إلى هذا التراث فإن داعش هي أفضل من يطبقه، فإذا ناقشتهم فيه فسوف ينتصرون.

بعد تبني داعش هذه الإعتداءات ووصفها بالغزوة لاشك أنهم يقصدون الجهاد، وما الجهاد في القرآن إلا في الدفاع عن النفس وليس الإعتداء على إنسان بريء كائن من كان، فالأولى الجهاد في فلسطين، إذ أنها الدولة المعتدى عليها والمحتلة بصورة واضحة لكن مسلم، ولكن احتجوا أصحاب الفكر الداعشي أن قبل تحرير فلسطين يجب تحرير ما جاورها كسوريا والعراق والأردن وتكون لهم قوة وشوكة ثم يبدأ تحرير فلسطين وإلا عد هذا انتحارًا، وقد يكون كلامهم صحيحًا ولكن انطبقت عليهم مقولة: صدق وهو كذوب، فإن بهذا المنطق كيف لك أن تهاجم دولة في أوروبا وأنت لم تستطع بعد تحرير دمشق؟ أم انك زحفت إلى أوروبا وحررت ألمانيا وإيطاليا ولم يتبق لك إلا فرنسا؟

لم يجدوا في القرآن ما يسعفهم فلاذوا بالفرار إلى التراث لأنه حتمًا سيساعدهم فقد اختلط به الباطل، لذلك برروا الهجوم على الدول الغربية على أنه جهاد الطلب، وجهاد الطلب بمعنى هو الهجوم على غير المسلمين في دارهم حتى وإن لم يشكلوا خطرًا عسكريًا ضد المسلمين، فتأمل!

ثم أين أنت من وصية الرسول للجيش عندما قال: “ألا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً، أو امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا معتصماً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا بناءً” ؟
فكيف بقتل عشوائي بينهم الأطفال والنساء والشيوخ!

ولكن كما أسفلت سابقًا داعش لديها التبريرات التي تحتاجها من التراث الذي امتزج به الباطل، فأي دين هذا الذي يقول لك يجوز أن تقتل الأطفال والنساء؟ للأسف أنه موجود أيضًا في كتبنا لأشخاص بقي شبر والناس سيعبدونهم، فيقول ابن عثيمين في كتاب الجهاد والسير والإمارة، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب":

“تحريم قتل النساء والصبيان في حال الحرب، فإن قيل لو فعلوا ذلك بنا بأن قتلوا صبياننا ونساءنا فهل نقتلهم ؟ 
الظاهر أنّه لنا أن نقتل النساء والصبيان ولو فاتت علينا الماليَّة لما في ذلك من كسرٍ لقلوب الأعداء وإهانتهم ولعموم قوله تعالى:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) !

ثم ماذا إذا كان بين هؤلاء الناس مسلمين؟ قد يكون بينهم مسلمين، ففي أوروبا هناك ما يقارب 50 مليون مسلم يعيشون فيها؟
مرة آخرى داعش لديه التبرير وسيلقي عليك فتوى التترس بمعنى يجوز قتل قليل من المسلمين لمصلحة أكبر وهي الجهاد، وكأنه دين أتى به بينثام وليس محمد (ص).

لذلك نقول للذين يقولون أن داعش صناعة أمريكية أو غربية أو إيرانية هذا غير صحيح، داعش ليست بدعة وإنما هي صنيعة تراثنا ولكن الفرق بينهم وبين الآخرين أنهم قاموا بتنفيذ هذا التراث.



النتائج:

بعد اعتداءات باريس ما الذي سيحدث أو ما الذي حدث بالفعل، هل سينصب ذلك في مصلحة المسلمين؟ لا بالطبع. لقد لخص الدكتور عدنان إبراهيم في إحدى خطبة هذه النتائج تعليقًا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر بقوله: أنت تفجر برج، هم يحتلوا دولة. وإليك بعض ما حدث:

- كانت أسباب الإعتداءات حسب بيان داعش، أن فرنسا كانت مشاركة في التحالف لقصف داعش وأن سبب هذه الإعتداءات لجعها تتوقف، ولكن بعد الإعتداءات قامت فرنسا بزيادة وتيرة القصف.

- قامت مظاهرات في فرنسا وبعض الدول الأوروبية ضد المسلمين وقاموا بحرق المساجد وأماكن اللاجئين.

- الحكومة الفرنسية تعتزم حل مساجد في فرنسا.

- ناهيك عن التضييق الذي سينصب على المسلمين في أوروبا.

- هذه الإعتداءات تعطي للأحزاب اليمينية الفرصة أكثر للوصول إلى السلطة.

وستفكر أوروبا 100 ألف مرة قبل إستقبال اللاجئين، اللاجئين الذين لم تستقبلهم أي دولة عربية واستقبلها هؤلاء الكفار بالملايين، إني أحزن على وضع اللاجئ والمهاجر الذي اغترب عن وطنه، وقمنا باللحاق به لتنغيص عيشته، بينما هو يعيش في أوروبا آمن مطمئن، ويحصل على الأموال من ضرائب الشعب، فلم نكتفي بالتحريض ببعضنا البعض وقمنا بالتحريض للذين ابتعدوا عنا لقتل من استقبلوهم وعاشوا معهم بأمان.

في المقابل لا أقوم بجعل أوروبا كدول ومجتمعات مثالية، وإن بها سلبيات في نهاية الأمر، الكثير يقولون أن ما فعلته فرنسا أشد وأمّر في شمال أفريقيا، وهذا صحيح ولكن الإعتداء عليهم الآن اشبههُ بمن يريد أن يقتلك لأن جدك السادس عشر قام بقتل جده الخامس عشر، ما زالت عقلية الثأر التي اتى الرسول محمد لإلغائها موجودة، وما التناحر المذهبي الذي نشهده اليوم إلا بسبب رجال ماتوا قبل 1400 سنة!

وفي الجهة المقابلة من بالغ بردة فعله بعد الإعتداءات ووشح صورة عرضه في شبكات التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا، وهذه المبالغة لم تكن على مستوى أفراد وإنما دول، فقامت دول بتوشيح مبانيها بالعلم الفرنسي وهي دول عربية، لقد كان الأولى لهؤلاء توشيح مبانيهم منذ الأربعينيات بالعلم الفلسطيني، فلسطين التي لم نناصرها لا نحن ولا داعش ولا الغرب، وهي الأولى بالتعاطف، ولكن كما قلت سابقًا لقد استرخصنا دمائنا ووجدنا ألف تبرير وتبرير ليقتل الأخ أخاه، وأصبح القتل أمر طبيعي في أوطاننا العربية ولم نكتفي بذلك وأردنا تصديره.

يقول الشاعر أحمد مطر:

الإعدام أخف عقاب
يتلقاه الفرد العربي.
أهنالك أقسى من هذا؟
- طبعاً..
فالأقسى من هذا
أن يحيا في الوطن العربي!


اختلفت الأوضاع يا أحمد مطر الآن، فالأقسى من الإعدام هو أن يحيا فقط، بغض النظر عن المكان.


الاثنين، 14 سبتمبر 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٨) الخاتمة



وبهذا أكون قد انتهيت من جولتي في سويسرا قضيت فيها ثلاثة أشهر إلا عشرا وكانت جولة فكرية أكثر مما هي سياحية.


وإن كان لابد من خاتمة فإني أضع خاتمة موجزة مبنية على المواضيع السابقة والتي حاولت فيها ألا اذكر المعلومات المعروفة عن سويسرا والتي ستقرؤنها في أي كتاب أو مقال يتحدث عن سويسرا، وعلى ما استنتجته في النهاية، وإذ كان بالإمكان وضع هذه الخاتمة في جملة واحدة فسأقول: “الإنسان أولًا”.


إن الحياة والنظام في سويسرا بكل ما يحتويه وآلية عمله تهدف أولًا وأخيرًا إلى خدمة الإنسان بغض النظر عن مركزه، عرقه، دينه، لغته..الخ، فالهدف هو أن يعيش السويسري حياة كريمة، فكل التركيز وكل تقدم تكنلوجي أو علمي في نهاية المطاف يستخدم لتوفير حياة كريمة للسويسري.


فسويسرا لم تنفق الملايين ليكون لها جيش تغزو به الدول وتكون لها مستعمرات ولا لها طموحات امبريالية، ولم تغزو الفضاء والمريخ وترسل اقمار اصطناعية للمراقبة والتجسس وتكون بمثابة “الأخ الأكبر” الذي يراقبك في كل وقت، فكل هذه الأشياء مع انها تقدم علمي إلا أنه لا يخدم الإنسان مباشرة فاستغنت عنها.


كل التكنلوجيا وجهت لخدمة السويسري وتسهيل عمله، فالعامل يستخدم أحدث الآلات والتقنية في أداء عمله حتى يزيد انتاجه ويكون أيسر له، حتى استطاع السويسري بالحليب ومشتقاته والشوكلاتة أن يدير اقتصاد من أغنى الدول في العالم.


علمتني سويسرا أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وإنما عندما تشتري تلك الخبزة من عرق جبينك وأنت كلك كرامة، لك ما لك من الحقوق والحرية التي تؤمن بها وتسري في دمائك، والتي اخترتها وارتضيت بها واقسمت على أنك ستدافع عنها.


علمتني سويسرا أن الحرية حرة..



الخميس، 27 أغسطس 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٧) اخدم نفسك بنفسك


خلال تواجدي في سويسرا وتجوالي في مدنها وشوارعها ومحلاتها لفت انتباهي لائحة قد تكررت عليّ مرات عديدة في مختلف الأماكن وهي لائحة self service ، سأقوم بذكر بعض الأمثلة:




- محطات البنزين:

إذا ذهبت إلى محطة البنزين لا تنتظر كثيرًا لكي يأتي شخص ويقوم بتعبئة خزان الوقود لك فهذا لن يحصل، فلا يوجد شخص يقوم بهذه الخدمة وإنما عليك بتعبئة خزان الوقود بنفسك وهي ليست حكرًا على فئة معينة من الناس فيقوم بها من أفقر سويسري إلى أفحشهم ثراءًا.


- المحلات التجارية:

عند دخولك لمحل تجاري كبير ستلاحظ أن عدد المحاسبين قليل مقارنة بسعة المحل ومرتاديه، حيث يضعوك في موقفين لا ثالث لهما، إما أن تقوم بأخذ جهاز ويقوم بمسح ما أشتريته، أي أنك تكون أنت المحاسب وأي شيء تريد أن تشتريه وقبل وضعه في السلة تقوم بإستخدام الجهاز، ثم يظهر لك التكلفة الكلية وما عليك إلا الدفع عن طريق جهاز آخر سواء كان نقدًا أو بالبطاقة المصرفية. أو أنك تختار الخيار الثاني وهو الوقوف في طابور طويل قد يأخذ الكثير من وقتك.
كما أن السلة سوف تقوم بإعادتها بنفسك في مكانها المخصص وإلا ستفقد 2 فرانك سويسري وهو ما يقارب 1.5 ريال عماني، وهذا المبلغ تضعه في السلة حتى تستطيع الحصول عليها والإستفادة منها، فلا يوجد موظف يقوم بجمع السلال وإعادتها إلى أماكنها المخصصة.


- المزارع:

تقوم بعض المزارع بالسماح للأشخاص الدخول في أراضيها وأخذ ما يحتاجونه مباشرة من الشجرة مثل الخضروات والفواكة والورود والأزهار، حيث يقوم المشتري بعدها بالتوجه إلى المحاسب، وفي بعض الحالات لا يوجد محاسب وإنما صندوق يضع المشتري المال فيه بعد أخذ ما يريده حيث تحدد القيمة في بوابة المزرعة وفي النهاية هي مسألة ثقة. تمتاز هذه المزارع بأن منتجاتها رخيصة مقارنة مع نفس المنتجات في المحلات التجارية.


- غسيل السيارات:

فكرة غسيل السيارات في سويسرا هي أن تقوم بدفع مبلغ رمزي حيث تستطيع ركن سيارتك وتقوم بتنظيفها بمفردك في مكان مخصص تتوفر فيها الأدوات اللازمة، أما إذا كنت تريد شخص آخر يقوم بهذه المهمة فإنك تستطيع الحصول على مثل هذه المحلات ولكنها سوف تكلفك بالمتوسط 50 ريال عماني.


-القمامة

لن يقوم أحد برمي قمامتك سوى أنت، حيث أن هناك نظام لرمي القمامة وهو أن تقوم بأخذ القمامة إلى مكان مخصص موجود في كل قرية، وتقوم بفصل القمامة فالبلاستيك له قمامة مخصصة كذلك الزجاج والألمنيوم والأجهزة الإلكترونية والقرطاس والبطاريات، وستقوم بنفسك بتقسيم القمامة ورميها في المكان المخصص لأن هذا أولا وأخيرًا هي قمامتك.

- المهن:

السويسري هو نجار وحداد وسباك وكهربائي وميكانيكي وأشياء أخرى! فهو يقوم بجميع هذه المهن في بيته إذا اقتضت الحاجة فهو الذي يقوم بتشييد السياج وتركيب الأنابيت وإصلاح الخلل الكهربائي أو الميكانيكي لأجهزته، ولقد قابلت سيدة تقوم بإعادة بناء بيت قديم قد اشترته حديثًا ويساعدها زوجها وأبيه في البناء.
وإذا صادف مشكلة خارج نطاق استطاعته استعان بالعامل المحترف والسبب في هذا أن العامل المحترف يتقاضى أجرًا مرتفعًا نظير عمله فهو قبل أن يصبح سباكًا قام بدراسة هذه الحرفة وتعلمها وأخذ دورات فيها في أماكن مخصصة تقوم بتخريج أمثال هؤلاء العاملين وليس مجرد عامل "تعلم الحسانه فوق روس المجانيين!"

إذا ما دققنا النظر حول هذه الظاهرة فسنلاحظ أنها تنبع في المقام الأول لأسباب إقتصادية بحتة، فوجود مهن كالعامل الذي يقوم بتعبئة الوقود أو مجموعة كبيرة من المحاسبين يؤثر مباشرة أولًا في سعر المنتج أو الخدمة وثانيًا في الإقتصاد ككل، ولهذا السبب تجد المنتجات في المزارع إذا قمت بحصادها بنفسك رخيصة مقارنة بالمحال التجارية ذلك وأن إذا قام عامل بحصادها فيتطلب مرتب -وهو مرتب مرتفع- مما يؤدي بشكل طبيعي بإرتفاع سعر المنتج تغطية للتكاليف وإلا ما استفاد التاجر شيء، لذلك يتم الإستغناء عن الوظائف التي يمكن الإستغناء عنها وبالإمكان للأشخاص القيام بها، كذلك الأعمال والتي نعتبرها "بسيطة" يحصل السويسري عليها مرتبات مرتفعة أو تكون مهنة يعيش بها، وبما أنني أسكن في الريف فقد لاحظت أن السويسري ما زال ذلك المزارع الذي يحرث الأرض ويزرعها ويحصد منتوجاتها دون الإستعانة بالعمالة الوافدة -إلا منا ندر- ويمتلك مصانع للألبان ومشتقاتها ويشرف عليها ويعمل بها شخصيًا، صحيح أن بالإستغناء عن بعض الوظائف يقلص فرص العمل ولكن في المقابل إستغلال ما يمكن استغلاله والتمسك بالحرف التي اعتبرناها بسيطة ومنحها الدعم من قبل الحكومة المحلية أو الفيدرالية جعلت السويسري يتمسك بها ولم يسلمها للعمالة الوافدة.