السبت، 16 سبتمبر 2017

الحديث مع الطبيعة

لقد وجد اللحظة المناسبة ليقوم برحلته الخاصة، فبعد أن كشفت الشمس عن نفسها بعد أن كانت مختبئة خلف ستار الغيوم، انطلق إلى رحلته التي أراد أن يبحث فيها عن شيء لا يدري في حقيقته ما هو، لقد كان متيقن أنه يستطيع أن يصل إلى ما يريد من خلال الطبيعة، فمن خلال كلامه إلى الطبيعة سيصل إلى غايته.

  • "لا اعتقد أن داروين كان يدري ما ينتظره وهو في سفينة البيجل"

قال هذه الكلمات بعد أن التفت إلى خلفه ورأى أن البيت الذي يقطنه قد توارى عن الأنظار، كانت الغابة التي يسير فيها تبعد ثلاثة عشر خطوة من مقر سكناه، لم تكن هذه المرة الأولى التي يمشي فيها وسط الغابة، ولكنها المرة الأولى التي يقرر فيها أن يخاطب الطبيعة وحيدًا، لقد أتاها طائعًا.

  • "أو كشخص يبحث عن الله"




حيث إنه لم يكن متأكد مما يريد، كل ما يريده فقط هو المضي قدمًا وينظر حينها إلى أين سيستقر، لقد سمح لعقله أن يسبح في ملكوت الطبيعة كما أسماه، وأن لا يوجهه إلى مكان معين ويعطيه الحرية المطلقة، كان يحاول أن يصل إلى تلك المرحلة عبر التفكير في اللاشيء، حتى خطى أقدامه لم يكن يفكر فيها ولا في الاتجاه الذي سيسلكه، لم يكن يفكر فضلًا عن اتخاذ قرارات، كان يسير كالسائر أثناء نومه.
كانت أشعة الشمس تخترق المساحات الخالية من جذوع الأشجار العالية وتضيء مساحات صغيرة، ومن هذه المساحات المضاءة كانت تنمو الحزازيات على مساحة واسعة منها، توقف عندها وأطال النظر في الحزازيات.



  • "ليس بعد، لم تأتي اللحظة المناسبة للحديث مع الطبيعة بعد"

أكمل السير ولقد كان محبط بعض الشيء، كان يرجو ألا تخذله الطبيعة وتتجاهله وترفض الحديث معه. كان يبتعد عن أي شيء يدل على وجود إنسان في ذلك المكان، كان يريد أن يقابل الطبيعة وحيدًا، ولقد استطاع الوصول إلى المكان الذي كان يقصده، الطبيعة وحدها ولا وجود لأي أثر أن إنسان قد مر من هناك.
وسط الدرجات المختلفة للون الأخضر الذي يكسي الغابة من كل جانب، لمح ورقة حمراء، وهرع مباشرة إليها ولقد لاحظ عدة أوراق أيضًا حمراء أو في طريقها إلى الإحمرار.


  • "لماذا هي حمراء؟ هل هي مريضة أم سامة أم أن فصل الخريف قد حلّ" تساءل

  • " لا يهم، فلست عالم نبات، ما يهمني هو أنها جميلة"

وما أن نظر إليها بعد أن وضع الاحتمالات على كونها جميلة، لمسها بيده ولم يكن يهتم بحقيقة ما تكون الأسباب.

  • "المرض، القتل، الانحلال، كلها أمور تؤدي إلى أمر واحد وهو الموت، هل الموت جميل لهذا الحد؟"

قد كان هذا هو منطلق الحوار مع الطبيعة وهو الموت، لقد بدأ عقله يسبح في محيط الموت الواسع، ويرى عالم الأموات في كل مكان، لقد كان يرى كل شيء يرمز إلى الموت، ولقد شعر به وأنه يقترب إليه، لقد سبح إلى هذا العالم العميق الذي لا يعلم أحد ماذا يوجد في قاعه، فكل من ذهبوا إلى هناك لم يعودوا ليخبرونا ما الذي وجدوه.
وبدأ يتحدث مع الطبيعة ليكتشف هذا الجزء الهام منها وهو الموت، يسألها فتجيب وفي أحيان كثيرة تعطيه الطبيعة الفرصة ليجيب على نفسه، توقف عند شجرة الخمان، ونظر إلى ثمارها السوداء.



  • "عادةً ما تكون الثمار هنا سامة"

قال بعد أن أشاح النظر عنها ومضى في طريقة.

  • "ولكن لماذا هي سامة؟ هل لتدافع عن نفسها؟ هي محقة في ذلك، لم يسألها أحد هل إذا كان بالإمكان أن يأخذ الثمار التي تعبت من أجلها للحصول عليها، بمنطقنا هذا اغتصاب أو احتلال"

وخلال إكماله السير في وسط الغابة وانغماسه في الحديث مع الطبيعة تذكر أن الحديث مع الطبيعة هي وسيلة ليصل إلى الشيء الذي يبحث عنه والذي إلى تلك اللحظة لم يتوصل إليه بعد، ساورته الشكوك أنه في الحقيقة يتهرب من هذه الفكرة أو الشيء الذي يبحث عنه، وكعادته لقد تاه عقله لولا أن تدخلت الطبيعة وبدأت الحديث معه، فقد شاهد ريش لطائر ليس للطائر فيه أي أثر.


  • "لقد مات طائر من الطيور، وعاش ثدي من الثديات"

قال وهو يقلب الريش المتناثر

  • "الموت هو أصل الحياة"

قال وكأنه توصل إلى استنتاج نهائي، وأكمل طريقه وبدأ يتحدث ولو بدى حديثه غير مرتب.

  • "هل نحن جزء من الطبيعة؟ بكل تأكيد... أتوقع.. لا اعرف، ولكن أتوقع أننا متشابهون، لأن الطبيعة على كل حال لها تأثير علينا، إذا كانت تأثر علينا هل نحن كذلك نؤثر عليها؟ أتوقع هي تأثر علينا، اعتقد إذا ما تحدثنا عن الإنسان بمعية الطبيعة فإنه ضعيف... الطبيعة وجدت قبل الإنسان، وتحملت أكثر من الإنسان، زلازل، أعاصير، براكين، وأشياء أكبر من ذلك بكثير.... الموت والحياة يظهران أكثر على الطبيعة بعكس الإنسان، لكي تستمر الحياة لابد من وجود الموت، وهذا الشيء تلاحظه في الطبيعة وليس الإنسان، الإنسان عاطفي بعكس الطبيعة، الإنسان يكره الموت، يحاول أن يحاربه ولكن في النهاية لن يقضي عليه... أما هل نحن نؤثر على الطبيعة نحن نؤثر على الإنسان وليس الطبيعة، تلوث البيئة؟ الإنسان من سيدفع الثمن وليس الطبيعة، الطبيعة إذا فقدت ملايين الأشجار ستنمو بدلها ملايين أخرى، اعتقد أن الإنسان متكبر حتى يظن أن بإمكانه أن يقضي على الطبيعة..... لا أدري.. هه الموضوع الذي يشغل عقلي.. ألا أريد أن أتحدث عنه؟ لقد تسارعت خطوات أقدامي وكأنني أريد العودة في أسرع وقت ممكن.... أريد أن أكون بمفردي مع الطبيعة وأتجنب أي مظهر يدل على وجود الإنسان... ولو إني إنسان يتحدث بمفرده في الغابة ويحدث نفسه، شعور غريب.... الإنسان كائن غريب في الأصل.. كائن غريب... ليست حكمة، ربما استنتاج... ما يدور في عقلي الآن أفكار غريبة، هل نستطيع أن نخدع أنفسنا؟ ربما بدون أن نشعر..."

عندها التزم الصمت وتوقف عن الحديث مع الطبيعة وتوقفت هي أيضًا عن ذلك، وبدأ يعيد ترتيب ما يسميه بمكتبه عقله، وينظفها، كان يبحث عن شيء وقد كان يظن أنها فكرة، ولكن بعد غربلة ما يسميه مكتبه عقله توصل أخيرًا إلى ما يبحث عنه، لم يكن يبحث عن فكرة أو خيال أو مستقبل، لقد كان في حقيقة الأمر يبحث عن ذكريات، لقد بدأ يقلب هذه الذكريات ويعيدها مرارًا وتكرارًا، فلم يجد فرصة مناسبة لتذكر كل هذا الكم من الذكريات، ولم يكن للحديث مع الطبيعة أي علاقة بهذه الذكريات أو موضوع الموت والحياة، وإنما كان كما شكّ في بداية الأمر أنه يتهرب منها ولم يجد أحد ليخاطبه سوى الطبيعة.





الاثنين، 27 فبراير 2017

عقوبة الإعدام

عقوبة الإعدام

هل يمكن استبدال عقوبة الإعدام؟
الإجابة التي أود أن أطرحها هي إجتهاد شخصي، بل إن نهاية الإجابة التي على وشك أن تطرح تعيدنا للسؤال مرة أخرى، فالهدف من الإجابة ليست هي الإجابة في حد ذاتها، ولكن تهدف الإجابة إلى وضع الإحتمالات والتي يستبعدها شريحة كبيرة من الناس سواء أكان المتخصص أو غير المتخصص، سواء أكان ذلك من الناحية الشرعية أو القانونية أو الفكرية أو أي منطلق آخر يبني فيها الشخص قناعاته وأفكاره.



ولو تحدثنا عن عقوبة الإعدام في عالمنا العربي والإسلامي فإن الإجابة ستكون معلومة، بل إن الأغلبية الساحقة ستؤيد عقوبة الإعدام وذلك لأسباب مختلفة ولعل اهمها هي الأسباب الدينية والتي تأخذ مكان ذا أهمية في حياة الفرد والمجتمع والتي من ضمنها الحدود الشرعية والتي وردت بنصوص قد تكون قطعية في بعض الأحيان من حيث اللفظ والمعنى.
إذا ما أردت أن أجيب وأقول أنه من الممكن أن نستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة أخرى لعل أول ما سأصطدم به هو قول القائل: أتنكر نص من نصوص القرآن؟

ويعتبر هذا السؤال وهذه الحجة وهي ورود نص في القرآن الكريم والذي يتفق المسلمون على أنه المصدر الأول للتشريع مع إختلافهم في المصادر الأخرى من أقوى الحجج. ولهذا سيكون بالأهمية بمكان أن نناقش النصوص الواردة في القرآن الكريم أولًا كون أن هذا المصدر هو المصدر الذي يتفق عليه جميع المسلمين.

نعود إلى قول القائل: أتنكر نص من نصوص القرآن؟ إذا ما كنت أود الإجابة بأنه يمكن إستبدال عقوبة الإعدام.

وللإجابة على سؤاله فنقول لا، لا ننكر أي نص من نصوص القرآن الكريم، ونعترف ان النص الوارد في عقوبة الإعدام في القرآن الكريم واضح تمامًا. وقد وردت هذه العقوبة في القرآن الكريم في حالة واحدة فقط لا غير وهي القصاص بمعنى قتل النفس عمدًا. اما ما توسع فيه الفقهاء والتفرقة التي وضعوها وأضافوها في أحايين أخرى فلا علاقة لنا بها في هذا الموضوع.

فنص القصاص نص واضح ولا ننكره ونقول به، وليس للإجابة التي نود أن نطرحها مشكلة مع هذه النصوص فالإجابة تفترض إمكانية إستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة أخرى والتي نقترح أن تكون السجن مدى الحياة لأسباب سنذكرها لاحقًا.
ولعل هذه الإجابة ستثير حفيظة شريحة كبيرة من الناس وقد يتهموك بالزندقة أو العمالة للغرب أو أنك الدجال وأقلها الكفر. ويعود السبب في ذلك أن عقل المسلم اليوم تغلب عليه الحرفية في النصوص، فهو  صاحب عقل نصوصي جامد يهتم بحرفية النص أكثر من هدف النص وغايته، لا يهم لديه إذا تحققت الغاية من هذا النص أم لا، المهم عنده التمسك بهذا النص سواء حقق غاية أم لم يحقق.

فالقول بإمكانية إستبدال عقوبة الإعدام في حالة أن شخص قام بقتل شخص آخر متعمدًا لا يعني بالضرورة أنك تنكر نص من القرآن وأنك مرقت من الدين، وإنما وبحسب الظروف المتغيرة في هذا العالم وما يتبعه من تغيرات في كافة مجالات الحياة قد تقضي بإستبدال عقوبة واردة فيها نص بعقوبة أخرى، بل حتى لو كان هناك نص وقضت ظروف الزمان والمكان بعدم إعمال النص لجاز عدم إعماله، ولا يكون ذلك بطريقة عشوائية أو تخبط وإلا جاز القول أن نترك القرآن ونصوصه جانبًا لأنه غير ذي فائدة في هذه الحالة، ولكن نعني بذلك في حالة إستبدال أو عدم إعمال نص هو أن هذا النص أصبح لا يؤدي غايته، أو أن ظروف الزمان والمكان قد تغيرت وأصبح من غير الممكن تطبيقه لأن الأهم في الأول والأخير هو الهدف والغاية من هذا النص.

ولعل ما يدعم هذا القول والذي اعتبره أقوى مثال هو عندما قام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم وسهم المؤلفة قد ورد فيه نص في القرآن فقام عمر بن الخطاب بإلغائه وذلك لأن الهدف من هذا السهم هو تأليف قلوب من هم على غير دين الإسلام، كون تلك الفترة كانت دولة الإسلام صغيرة ومحدودة وتحيط بها الأخطار من كل جانب، أما في زمن عمر بن الخطاب فقد توسعت رقعة الإسلام وأصبحت دولة ذي قوة وبأس، وبهذا رأى عمر بن الخطاب أن هذا السهم قد أصبح لا يحقق غايته المنشودة وقام بإلغائه أي إلغاء تطبيقه ولم يعترض على أمر عمر بن الخطاب أحد ولم يشكك أحد في دينه أو قال أنه قد عطل حكم إلهي وارد ومذكور في كتاب الله، بل وإلى اليوم نحن نتلوا هذه الآية ولا أحد يقوم بتطبيقها، فإذا أمكن إيقاف حكم وارد في القرآن ألا يمكن استبدال حكم بآخر؟

وفي عام الرمادة قام كذلك عمر بن الخطاب بوقف عقوبة السرقة كون أن البلاد كانت تعاني في تلك الفترة من المجاعة، وهو أدرك بذلك بعد أن جيء به بصبي وقد سرق أكلًا أن الصبي ما سرق إلا لأنه يتضور جوعا، وقد سرق ذلك ليتشبت بالحياة، لم يسرق ليزيد غنى على غناه. فأوقف بذلك عقوبة السرقة.

ومن الأمثلة الأخرى هي الآيات التي تتحدث عن الرق والعبيد وملك اليمين، حيث أن الرق أصبح من الأمور المحرمة فلا تجد من يعتق عبد أو له جواري، ولو أن شخصًا قال بجواز أن تملك يمين لشنعوا عليه أيما تشنيع ووصفوه بالشيطان كما حدث مع أحد المنادين بعودة ملك اليمين في عصرنا الحديث، ولم يلقى قبول من أحد ولو أنه ورد في القرآن وكان معمول به لفترة طويلة من التاريخ الإسلامي.

وتوجد امثلة أخرى لا يسع الحديث عنها وذلك أن غاية النص قد لا تحقق بتطبيق النص تطبيقا حرفيا وإنما تتحقق إما بعدم إعماله أو تغيير أسلوب تطبيقه.

عقوبة السجن مدى الحياة بديلًا عن عقوبة الإعدام:
إذا ما عدنا إلى عقل المسلم اليوم وسئلناه عن عقوبة السجن بشكل عام رأيته لا يعاني من أي مشكلة معها ويعتبرها عقوبة لا بأس بها ولا توجد بها مشكلة، مع أن عقوبة السجن هي عقوبة مستحدثة لم يرد بها أي نص، فلا توجد أي آية في القرآن الكريم تشير إلى عقوبة السجن، مع ذلك هذه العقوبة اليوم معمول بها في جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية.
إذا ما أردنا أن نفهم عقوبة الإعدام الواردة في القرآن الكريم فيجب علينا أن نعي الزمن الذي نزل فيه القرآن والظروف الذي كانت تحكمه، وكما أسلفنا أن في ذلك العصر لم يكن هناك سجون حتى تكون هناك عقوبة من ذلك النوع. إن القاتل عندما يقتل متعمدًا ويخطط لهذا القتل، بل لو أخذنا أبشع صورة للقاتل وهو الذي يتلذذ بالقتل فهو سفاح عنده القتل وتنفس الهواء أمر واحد كان في السابق يعدم والغاية من ذلك هو فصله عن المجتمع حتى لا يؤذي أفراده ولا يقتل الشخص الثاني والثالث ..الخ حيث لم تكن هناك طريقة أخرى لفصل هذا القاتل عن المجتمع سوى إعدامه، ولكن مع مرور الزمان استطاع الإنسان أن يبني السجون ويضع فيها المجرمين الذي يريد فيه أن يفصلهم عن المجتمع في مكان واحد حيث لا يختلطوا أو يحتكوا به.

إن عقوبة الإعدام ترد عليها بعض السلبيات وتقوم عقوبة السجن مدى الحياة بتغطيه هذه السلبيات مما يجعلنا نعتقد بأصلحية عقوبة السجن مدى الحياة على الإعدام ونذكر ذلك خلال النقاط التالية:

1- في عقوبة الإعدام إذا ما اكتشفت أدلة جديدة تبرئ المتهم فإن إصلاح هذا الخطأ يصبح عديم الفائدة كون أن المتهم قد قضى نحبه، أما في عقوبة السجن مدى الحياة فإن إمكانية تصحيح الخطأ تظل قائمة وتستطيع أن تعوض ما يمكن تعويضه.

2- في عقوبة الإعدام وبعد تنفيذ الحكم لا يمكن الإستفادة من الشخص لأنه ميت، أما في عقوبة السجن مدى الحياة فيمكن الإستفادة من الجاني كالقيام بالأعمال الشاقة.  

3- قد تستغل عقوبة الإعدام لأغراض سياسية تهدف فيها التخلص من المعارضين وذلك عبر التخلص منهم بتلفيق التهم ضدهم وإصدار أحكام الإعدام ضدهم وهذا ما نراه يحدث في كثير من البلدان التي تتبنى عقوبة الإعدام. ناهيك عن أحكام الإعدام التي تصدر ضد الأطفال وأحكام الإعدام التي تكون بشكل سري. أما في عقوبة السجن مدى الحياة فإن الشخص يظل حيًا ويبقى هناك أملا ولو بسيط بأن يخرج من السجن كقيام تطورات في المشهد السياسي.

4- في عقوبة الإعدام قد تقبل عائلة القتيل الدية وبهذا يفلت المجرم من العقاب، وهذا يشكل خلل حيث إن كان القاتل ذو مال وجاه وعائلة القتيل فقيرة قد يقبلون الدية ولا تتحقق عقوبة الإعدام، فميزان قبول الدية غير متوازن بل يتأرجح حسب المال والجاه ولإعتبارات أخرى.

5- لم تحقق عقوبة الإعدام الردع العام رغم قسوتها، وذلك أن المتمسكين بعقوبة الإعدام يحتجون بأنها عقوبة رادعة حيث لا تتساهل مع هذا النوع من الجرائم، ولكن الواقع يقول خلاف ذلك، فالدول التي تتبنى عقوبة الإعدام ما زالت جرائم القتل تحدث فيها وقد تكون بنسب كبيرة أيضًا، فقد نشرت منظمة العفو الدولية دراسة بعنوان ذكرت فيها أن عام 2015 شهد ارتفاعاً هائلاً في عدد الأشخاص الذين أعدموا- ما لا يقل عن 1,634- وهو أعلى عدد سجلته منظمة العفو الدولية منذ 1989

إن عقوبة السجن مدى الحياة تحقق الغاية المنشودة وهي عزل المجرم عن المجتمع وعلاوة على ذلك تستفيد منه بجعله ينجز بعض الأعمال، فتصح أن تكون بديلا عن عقوبة الإعدام والتي كانت تحقق ذات الغاية ولكن مع بعض السلبيات. ونحن عندما نتحدث عن عقوبة السجن مدى الحياة نعنيها بكل ما تحملها الكلمة من معنى فليس هناك سبيل إلى أن المحكوم يخرج من السجن لأي سبب كان بإستثناء إذا ظهرت أدلة جديدة تبرأه من الجريمة. ثم إن النص القرآني لا يشجع على قتل النفس البشرية وحتى إن قتل متعمدا بل يرى أن العفو خير ولذلك نرى أن الله يقول في كتابه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ"

وفي النهاية جاز لنا أن نسأل: ألا يمكن استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة السجن مدى الحياة؟ ألا يجوز الإجتهاد في هذه المسألة ونفعل كما فعل عمر بن الخطاب نستشف الغاية بدلًا من أن نتبع النص حرفيًا؟

الخميس، 19 نوفمبر 2015

إعتداءات باريس، الجذور والنتائج






لقد إستطاعت أوروبا أن تجعل من قيمة الفرد في مجتمعاتها غالية وقيّمة، وما إن حدثت الإعتداءات في باريس إلا وتناقلت وسائل الإعلام هذه الأخبار واُستنكرت هذه الهجمات من شرق  الكرة الأرضية إلى غربها، توشحت البنايات وصور العرض في حسابات التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا، ولا تُلام أوروبا في ذلك عندما جعلت هذه قيمة الإنسان، بينما جعلناها في أسفل السافلين، حيث يموت نفس العدد الناتج من هذه الاعتداءات في الوطن العربي.

في هذا المقال سأسلط الضوء على نقطتين رئيسيتين وهما الجذور والنتائج:

الجذور:

وأقصد بالجذور هنا عن مبررات هذه الإعتداءات من المنطلق الديني، فهناك شريحة تتفق مع هذه الإعتداءات وآخرين لا يتفقون ولكن من حيث لا يدرون هم يتفقوا.

هناك مقولة للشيخ حسن فرحان المالكي يقول بتصرف: لا يمكن هزيمة داعش إلا بالقرآن، وهذه مقولة عميقة، حيث بغير القرآن فإن فكر داعش لا محالة منتصر، وما يحدث اليوم في الوسط الديني فعليًا أن القران أصبح مهجورًا ومهمش، لا عليك من قولهم أن القرآن المصدر الأول في التشريع فهو كلام ليس له حظ من الواقع، حيث أن كتب الحديث وشروحاته وأقوال الفقهاء تعلوا على القرآن، وإذا ما جئنا إلى هذا التراث فإن داعش هي أفضل من يطبقه، فإذا ناقشتهم فيه فسوف ينتصرون.

بعد تبني داعش هذه الإعتداءات ووصفها بالغزوة لاشك أنهم يقصدون الجهاد، وما الجهاد في القرآن إلا في الدفاع عن النفس وليس الإعتداء على إنسان بريء كائن من كان، فالأولى الجهاد في فلسطين، إذ أنها الدولة المعتدى عليها والمحتلة بصورة واضحة لكن مسلم، ولكن احتجوا أصحاب الفكر الداعشي أن قبل تحرير فلسطين يجب تحرير ما جاورها كسوريا والعراق والأردن وتكون لهم قوة وشوكة ثم يبدأ تحرير فلسطين وإلا عد هذا انتحارًا، وقد يكون كلامهم صحيحًا ولكن انطبقت عليهم مقولة: صدق وهو كذوب، فإن بهذا المنطق كيف لك أن تهاجم دولة في أوروبا وأنت لم تستطع بعد تحرير دمشق؟ أم انك زحفت إلى أوروبا وحررت ألمانيا وإيطاليا ولم يتبق لك إلا فرنسا؟

لم يجدوا في القرآن ما يسعفهم فلاذوا بالفرار إلى التراث لأنه حتمًا سيساعدهم فقد اختلط به الباطل، لذلك برروا الهجوم على الدول الغربية على أنه جهاد الطلب، وجهاد الطلب بمعنى هو الهجوم على غير المسلمين في دارهم حتى وإن لم يشكلوا خطرًا عسكريًا ضد المسلمين، فتأمل!

ثم أين أنت من وصية الرسول للجيش عندما قال: “ألا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً، أو امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا معتصماً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا بناءً” ؟
فكيف بقتل عشوائي بينهم الأطفال والنساء والشيوخ!

ولكن كما أسفلت سابقًا داعش لديها التبريرات التي تحتاجها من التراث الذي امتزج به الباطل، فأي دين هذا الذي يقول لك يجوز أن تقتل الأطفال والنساء؟ للأسف أنه موجود أيضًا في كتبنا لأشخاص بقي شبر والناس سيعبدونهم، فيقول ابن عثيمين في كتاب الجهاد والسير والإمارة، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب":

“تحريم قتل النساء والصبيان في حال الحرب، فإن قيل لو فعلوا ذلك بنا بأن قتلوا صبياننا ونساءنا فهل نقتلهم ؟ 
الظاهر أنّه لنا أن نقتل النساء والصبيان ولو فاتت علينا الماليَّة لما في ذلك من كسرٍ لقلوب الأعداء وإهانتهم ولعموم قوله تعالى:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) !

ثم ماذا إذا كان بين هؤلاء الناس مسلمين؟ قد يكون بينهم مسلمين، ففي أوروبا هناك ما يقارب 50 مليون مسلم يعيشون فيها؟
مرة آخرى داعش لديه التبرير وسيلقي عليك فتوى التترس بمعنى يجوز قتل قليل من المسلمين لمصلحة أكبر وهي الجهاد، وكأنه دين أتى به بينثام وليس محمد (ص).

لذلك نقول للذين يقولون أن داعش صناعة أمريكية أو غربية أو إيرانية هذا غير صحيح، داعش ليست بدعة وإنما هي صنيعة تراثنا ولكن الفرق بينهم وبين الآخرين أنهم قاموا بتنفيذ هذا التراث.



النتائج:

بعد اعتداءات باريس ما الذي سيحدث أو ما الذي حدث بالفعل، هل سينصب ذلك في مصلحة المسلمين؟ لا بالطبع. لقد لخص الدكتور عدنان إبراهيم في إحدى خطبة هذه النتائج تعليقًا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر بقوله: أنت تفجر برج، هم يحتلوا دولة. وإليك بعض ما حدث:

- كانت أسباب الإعتداءات حسب بيان داعش، أن فرنسا كانت مشاركة في التحالف لقصف داعش وأن سبب هذه الإعتداءات لجعها تتوقف، ولكن بعد الإعتداءات قامت فرنسا بزيادة وتيرة القصف.

- قامت مظاهرات في فرنسا وبعض الدول الأوروبية ضد المسلمين وقاموا بحرق المساجد وأماكن اللاجئين.

- الحكومة الفرنسية تعتزم حل مساجد في فرنسا.

- ناهيك عن التضييق الذي سينصب على المسلمين في أوروبا.

- هذه الإعتداءات تعطي للأحزاب اليمينية الفرصة أكثر للوصول إلى السلطة.

وستفكر أوروبا 100 ألف مرة قبل إستقبال اللاجئين، اللاجئين الذين لم تستقبلهم أي دولة عربية واستقبلها هؤلاء الكفار بالملايين، إني أحزن على وضع اللاجئ والمهاجر الذي اغترب عن وطنه، وقمنا باللحاق به لتنغيص عيشته، بينما هو يعيش في أوروبا آمن مطمئن، ويحصل على الأموال من ضرائب الشعب، فلم نكتفي بالتحريض ببعضنا البعض وقمنا بالتحريض للذين ابتعدوا عنا لقتل من استقبلوهم وعاشوا معهم بأمان.

في المقابل لا أقوم بجعل أوروبا كدول ومجتمعات مثالية، وإن بها سلبيات في نهاية الأمر، الكثير يقولون أن ما فعلته فرنسا أشد وأمّر في شمال أفريقيا، وهذا صحيح ولكن الإعتداء عليهم الآن اشبههُ بمن يريد أن يقتلك لأن جدك السادس عشر قام بقتل جده الخامس عشر، ما زالت عقلية الثأر التي اتى الرسول محمد لإلغائها موجودة، وما التناحر المذهبي الذي نشهده اليوم إلا بسبب رجال ماتوا قبل 1400 سنة!

وفي الجهة المقابلة من بالغ بردة فعله بعد الإعتداءات ووشح صورة عرضه في شبكات التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا، وهذه المبالغة لم تكن على مستوى أفراد وإنما دول، فقامت دول بتوشيح مبانيها بالعلم الفرنسي وهي دول عربية، لقد كان الأولى لهؤلاء توشيح مبانيهم منذ الأربعينيات بالعلم الفلسطيني، فلسطين التي لم نناصرها لا نحن ولا داعش ولا الغرب، وهي الأولى بالتعاطف، ولكن كما قلت سابقًا لقد استرخصنا دمائنا ووجدنا ألف تبرير وتبرير ليقتل الأخ أخاه، وأصبح القتل أمر طبيعي في أوطاننا العربية ولم نكتفي بذلك وأردنا تصديره.

يقول الشاعر أحمد مطر:

الإعدام أخف عقاب
يتلقاه الفرد العربي.
أهنالك أقسى من هذا؟
- طبعاً..
فالأقسى من هذا
أن يحيا في الوطن العربي!


اختلفت الأوضاع يا أحمد مطر الآن، فالأقسى من الإعدام هو أن يحيا فقط، بغض النظر عن المكان.


الاثنين، 14 سبتمبر 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٨) الخاتمة



وبهذا أكون قد انتهيت من جولتي في سويسرا قضيت فيها ثلاثة أشهر إلا عشرا وكانت جولة فكرية أكثر مما هي سياحية.


وإن كان لابد من خاتمة فإني أضع خاتمة موجزة مبنية على المواضيع السابقة والتي حاولت فيها ألا اذكر المعلومات المعروفة عن سويسرا والتي ستقرؤنها في أي كتاب أو مقال يتحدث عن سويسرا، وعلى ما استنتجته في النهاية، وإذ كان بالإمكان وضع هذه الخاتمة في جملة واحدة فسأقول: “الإنسان أولًا”.


إن الحياة والنظام في سويسرا بكل ما يحتويه وآلية عمله تهدف أولًا وأخيرًا إلى خدمة الإنسان بغض النظر عن مركزه، عرقه، دينه، لغته..الخ، فالهدف هو أن يعيش السويسري حياة كريمة، فكل التركيز وكل تقدم تكنلوجي أو علمي في نهاية المطاف يستخدم لتوفير حياة كريمة للسويسري.


فسويسرا لم تنفق الملايين ليكون لها جيش تغزو به الدول وتكون لها مستعمرات ولا لها طموحات امبريالية، ولم تغزو الفضاء والمريخ وترسل اقمار اصطناعية للمراقبة والتجسس وتكون بمثابة “الأخ الأكبر” الذي يراقبك في كل وقت، فكل هذه الأشياء مع انها تقدم علمي إلا أنه لا يخدم الإنسان مباشرة فاستغنت عنها.


كل التكنلوجيا وجهت لخدمة السويسري وتسهيل عمله، فالعامل يستخدم أحدث الآلات والتقنية في أداء عمله حتى يزيد انتاجه ويكون أيسر له، حتى استطاع السويسري بالحليب ومشتقاته والشوكلاتة أن يدير اقتصاد من أغنى الدول في العالم.


علمتني سويسرا أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وإنما عندما تشتري تلك الخبزة من عرق جبينك وأنت كلك كرامة، لك ما لك من الحقوق والحرية التي تؤمن بها وتسري في دمائك، والتي اخترتها وارتضيت بها واقسمت على أنك ستدافع عنها.


علمتني سويسرا أن الحرية حرة..



الخميس، 27 أغسطس 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٧) اخدم نفسك بنفسك


خلال تواجدي في سويسرا وتجوالي في مدنها وشوارعها ومحلاتها لفت انتباهي لائحة قد تكررت عليّ مرات عديدة في مختلف الأماكن وهي لائحة self service ، سأقوم بذكر بعض الأمثلة:




- محطات البنزين:

إذا ذهبت إلى محطة البنزين لا تنتظر كثيرًا لكي يأتي شخص ويقوم بتعبئة خزان الوقود لك فهذا لن يحصل، فلا يوجد شخص يقوم بهذه الخدمة وإنما عليك بتعبئة خزان الوقود بنفسك وهي ليست حكرًا على فئة معينة من الناس فيقوم بها من أفقر سويسري إلى أفحشهم ثراءًا.


- المحلات التجارية:

عند دخولك لمحل تجاري كبير ستلاحظ أن عدد المحاسبين قليل مقارنة بسعة المحل ومرتاديه، حيث يضعوك في موقفين لا ثالث لهما، إما أن تقوم بأخذ جهاز ويقوم بمسح ما أشتريته، أي أنك تكون أنت المحاسب وأي شيء تريد أن تشتريه وقبل وضعه في السلة تقوم بإستخدام الجهاز، ثم يظهر لك التكلفة الكلية وما عليك إلا الدفع عن طريق جهاز آخر سواء كان نقدًا أو بالبطاقة المصرفية. أو أنك تختار الخيار الثاني وهو الوقوف في طابور طويل قد يأخذ الكثير من وقتك.
كما أن السلة سوف تقوم بإعادتها بنفسك في مكانها المخصص وإلا ستفقد 2 فرانك سويسري وهو ما يقارب 1.5 ريال عماني، وهذا المبلغ تضعه في السلة حتى تستطيع الحصول عليها والإستفادة منها، فلا يوجد موظف يقوم بجمع السلال وإعادتها إلى أماكنها المخصصة.


- المزارع:

تقوم بعض المزارع بالسماح للأشخاص الدخول في أراضيها وأخذ ما يحتاجونه مباشرة من الشجرة مثل الخضروات والفواكة والورود والأزهار، حيث يقوم المشتري بعدها بالتوجه إلى المحاسب، وفي بعض الحالات لا يوجد محاسب وإنما صندوق يضع المشتري المال فيه بعد أخذ ما يريده حيث تحدد القيمة في بوابة المزرعة وفي النهاية هي مسألة ثقة. تمتاز هذه المزارع بأن منتجاتها رخيصة مقارنة مع نفس المنتجات في المحلات التجارية.


- غسيل السيارات:

فكرة غسيل السيارات في سويسرا هي أن تقوم بدفع مبلغ رمزي حيث تستطيع ركن سيارتك وتقوم بتنظيفها بمفردك في مكان مخصص تتوفر فيها الأدوات اللازمة، أما إذا كنت تريد شخص آخر يقوم بهذه المهمة فإنك تستطيع الحصول على مثل هذه المحلات ولكنها سوف تكلفك بالمتوسط 50 ريال عماني.


-القمامة

لن يقوم أحد برمي قمامتك سوى أنت، حيث أن هناك نظام لرمي القمامة وهو أن تقوم بأخذ القمامة إلى مكان مخصص موجود في كل قرية، وتقوم بفصل القمامة فالبلاستيك له قمامة مخصصة كذلك الزجاج والألمنيوم والأجهزة الإلكترونية والقرطاس والبطاريات، وستقوم بنفسك بتقسيم القمامة ورميها في المكان المخصص لأن هذا أولا وأخيرًا هي قمامتك.

- المهن:

السويسري هو نجار وحداد وسباك وكهربائي وميكانيكي وأشياء أخرى! فهو يقوم بجميع هذه المهن في بيته إذا اقتضت الحاجة فهو الذي يقوم بتشييد السياج وتركيب الأنابيت وإصلاح الخلل الكهربائي أو الميكانيكي لأجهزته، ولقد قابلت سيدة تقوم بإعادة بناء بيت قديم قد اشترته حديثًا ويساعدها زوجها وأبيه في البناء.
وإذا صادف مشكلة خارج نطاق استطاعته استعان بالعامل المحترف والسبب في هذا أن العامل المحترف يتقاضى أجرًا مرتفعًا نظير عمله فهو قبل أن يصبح سباكًا قام بدراسة هذه الحرفة وتعلمها وأخذ دورات فيها في أماكن مخصصة تقوم بتخريج أمثال هؤلاء العاملين وليس مجرد عامل "تعلم الحسانه فوق روس المجانيين!"

إذا ما دققنا النظر حول هذه الظاهرة فسنلاحظ أنها تنبع في المقام الأول لأسباب إقتصادية بحتة، فوجود مهن كالعامل الذي يقوم بتعبئة الوقود أو مجموعة كبيرة من المحاسبين يؤثر مباشرة أولًا في سعر المنتج أو الخدمة وثانيًا في الإقتصاد ككل، ولهذا السبب تجد المنتجات في المزارع إذا قمت بحصادها بنفسك رخيصة مقارنة بالمحال التجارية ذلك وأن إذا قام عامل بحصادها فيتطلب مرتب -وهو مرتب مرتفع- مما يؤدي بشكل طبيعي بإرتفاع سعر المنتج تغطية للتكاليف وإلا ما استفاد التاجر شيء، لذلك يتم الإستغناء عن الوظائف التي يمكن الإستغناء عنها وبالإمكان للأشخاص القيام بها، كذلك الأعمال والتي نعتبرها "بسيطة" يحصل السويسري عليها مرتبات مرتفعة أو تكون مهنة يعيش بها، وبما أنني أسكن في الريف فقد لاحظت أن السويسري ما زال ذلك المزارع الذي يحرث الأرض ويزرعها ويحصد منتوجاتها دون الإستعانة بالعمالة الوافدة -إلا منا ندر- ويمتلك مصانع للألبان ومشتقاتها ويشرف عليها ويعمل بها شخصيًا، صحيح أن بالإستغناء عن بعض الوظائف يقلص فرص العمل ولكن في المقابل إستغلال ما يمكن استغلاله والتمسك بالحرف التي اعتبرناها بسيطة ومنحها الدعم من قبل الحكومة المحلية أو الفيدرالية جعلت السويسري يتمسك بها ولم يسلمها للعمالة الوافدة.

سويسرا بين الواقع والمثال (٦) جان جاك روسو

"وإني حين بحثت عن أصلح القواعد التي يُمِكن العقل الرشيد أن يُمِليها حول نظام حكومة، بلغت من بهر النظر باكتشافي وجودها كلها جاريةً في حكومتكم "

 هكذا خاطب الفيلسوف جان جاك روسو جمهورية جنيف في خطاب أرسله قبل تقديم كتابه أصل التفاوت بين الناس، لقد أحب روسو جنيف فقد ولد وترعرع فيها منذ صباه حتى سن السادسة عشر، وبالمقابل أحبت جنيف روسو بعد وفاته بعد معرفة التأثير الذي قام به هذا الفيلسوف وما زال صدى هذا التأثير حاصل إلى يومنا هذا، ولعل جنيف تعتبر أكثر مدينة تمجد روسو، لذا قمت بزيارة ثانية لجنيف فقط للبحث عن معالم روسو، وقمت بزيارة أربعة أماكن رئيسية وهي: جزيرة جان جاك روسو، منزل روسو (متحف)، شارع روسو، ومدرسة روسو.


جزيرة جان جاك روسو  Île Rousseau:

جزيرة جان جاك روسو هي جزيرة صغيرة على شكل قلب ولها مدخل واحد من الجسر، وفيها قد نصب تمثال لجان جاك روسو ومن حوله تلتف الأزهار جالسًا على كرسي وأسفل الكرسي مجموعة من الكتب، وبيده اليمنى يمسك بقلم وبيده اليسرى كتاب.
إذا وقفت أمام التمثال فسترى نافورة جنيف المشهورة وعلى يمينك مقهى صغير يحمل اسمه "روسو" ويحيط بالجزيرة مجموعة من الكراسي يجلس بها الناس للإستراحة أو للكتابة -كما أفعل أنا الآن- كذلك وتوجد لائحة بها بعض اقتباسات روسو ومن كتب مختلفة كالإعترافات وهلويز الجديدة (جولي) ومنتزه الرجل الوحداني.
المكان يعتبر نشط مقارنة بمساحته حيث يأتي الناس لرؤية التمثال وأخذ صورة له، كما أن الموقع جيد حيث بالإمكان رؤية النافورة بوضوح ومكان مناسب للإستراحة ومشاهدة المناظر الطبيعية والبحيرة حول الجزيرة وحولها مجموعة من الطيور يقوم الناس بإطعامها، أو لمشاهدة المباني الحديثة والقديمة في جنيف.









منزل روسو (متحف)

وهو المنزل الذي ولد وترعرع فيه والآن هو عبارة عن متحف



١- يتم عرض الحياة التي قضاها روسو في جنيف أيام الطفولة، حيث أنه غادر جنيف وهو في سن السادسة عشر، ويتم تقديم روسو وتعريفه في كثير من الأحيان كما وصفها هو بنفسه خاصة من كتابه الإعترافات.



٢- يعرّف المنزل حياة روسو بعد مغادرته لجنيف والتي قضى معضمها في فرنسا ويعرض أفكاره وكتبه ومعارضته مع فولتير وديفيد هيوم، وقصة كتبابه المشهور "العقد الإجتماعي" المسمى بإنجيل الثورة الفرنسية والذي يعده كثير من الكتّاب والمفكرين أنه مفجر الثورة الفرنسية.


٣- جولة مع كتابه إيميل حيث يظهر فيها روسو الفيلسوف المربي، ولكن هذا الكتاب تم حرقه في كل من جنيف وفرنسا حيث لاقى هذا الكتاب النقد اللاذع من الفلاسفة ورجال الدين واعتبروه مروقًا من الدين. للمزيد انظر كتاب قصة الحضارة/ ول ديوارنت/المجلد العاشر/ الفصل الثامن: روسو المنبوذ



٤- يعرض روايته هلويز الجديدة أو كما تعرف "جولي" وتعتبر من أشهر الروايات في القرن الثامن عشر



٥- يعرض روسو الموسيقي وأهتمامه بالفن، كذلك يعرض كتابه الإعترافات وبعض الإقتباسات منه حيث يعتبر الكتاب السيرة لروسو والذي كتبها هو بنفسه، كذلك يعرض وفاته ونقل قبره إلى فرنسا.



٦- وأخيرًا يعرض ما قاله بعض الفلاسفة والكتّاب عن روسو من مختلف انحاء العالم




منهم محمد حسين هيكل ت 1956 حيث يقول -بتصرف- : لقد جف الأدب الفرنسي فكان لابد من كاتب رقيق الشعور يخاطب القلب.




شارع جان جاك روسو:

وهو شارع يتفرع منه شوراع اخرى وقد سميت بأسماء كتبه وفي بعض الأحيان شخصيات من رواياته، فعلى سبيل المثال: الاعترافات Le confessions / العقد الإجتماعي Le Contrat Social / وهيلويز الجديدة La Nouvelle Heloise وعراف القرية Le Devin du Village 





مدرسة روسو:


وهي مدرسة صغيرة تستقبل 800 طالب ويشرف عليها ما يزيد على 100 معلم ومدرب تم تسمية المدرسة باسم جان جاك روسو





وعلاوة على مدينة جنيف فهناك مناطق أخرى تحمل بعض من معالم روسو أو حتى أماكن قد زارها أو سافر إليها كلاجئ مثل: نوشاتيل وسان بيار.

السؤال هنا: ما سر هذا الإهتمام البالغ بجان جاك روسو، رغم انه فقط قد ولد فيها وقضى معظم حياته خارجها؟

يجيب الكاتب محمود لواساني في كتابه "سويسرا: الحضارة الصامتة": "أن وراء هذا الإهتمام بالرجل أسبابًا نفسية وعوامل تاريخية وحضارية تنبع من جذورها من الإرتباط العضوي بين معتقدات جان جاك روسو الفلسفية وتفكيره الإنساني وطموحاته الثورية في حقل الإصلاح السياسي والإجتماعي والأخلاقي وبين المثل التي يؤمن بها الشعب السويسري بل يعمل على تطبيقها ما أمكنه ذلك حتى قبل ولادة روسو بعشرات السنين، كان في الحقيقة أشد الشعوب قربًا من هذه المعتقدات وأصدقها امتثالًا في تحقيق تلك الطموحات والأهداف التي نادى بها فلاسفة القرن الثامن عشر..."

وقد أضيف على ذلك بأن سويسرا تفتقر لمثل هذه الشخصيات العالمية التي تجوب اسمائها في كل مكان وزاوية ولعل وبعودتنا إلى الموضوع السابق سويسرا بين الواقع والمثال (٢) الرمزية سنرى أن الشخصيات السويسرية المختارة قد تكون مشهورة محليًا أو على مستوى أوروبا ولكن ليس على مستوى العالم، وكما قلنا في الموضوع السابق أن سويسرا تلتزم بالرمزية وتمجد الإنسان الذي خدم الإنسانية وإن كانت هناك شخصية تستحق هذا التمجيد فإن جان جاك روسو يستحقها وبجدارة، فلا غرابة أن سويسرا تعطيه هذا القدر الكبير من الإهتمام حتى وإن ولد فيها ومكث فيها قليلًا وعاد إليها كلاجئ لبعض الوقت وتغزل بها في بعض الأحيان، فكل هذا كان كافٍ لسويسرا بأن تسحب بساط روسو بجانبها.

السبت، 8 أغسطس 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٥) الآخر

إذا ما تحدثنا عن العنصرية في أوروبا فهو باب كبير لا يسعه مقال لذا سأتحدث في هذا المقال عن صور العنصرية التي صادفتها أو عايشتها في سويسرا بعد مضي أكثر من شهر من تواجدي في أراضيها وقبل الولجوء إلى صلب الموضوع نضع تعريف بسيط للعنصرية، نستطيع القول أن العنصرية هي اعتقاد أن الفرد لديه صفات وأساليب موروثة تُزرع فيه نفسه عند ولادته طبقًا للعرق أو لجماعة أو دين.




لقد صادفت موقفين قد استطيع أن اضعهما في خانة العنصرية وفق هذا المفهوم البسيط، حيث سأسرد الموقفين وبعدها محاولة فهم الأسباب التي أدت إلى مثل هذه المواقف، حيث ليس الهدف من الموضوع وضع نفسي في موقف الضحية.

الموقف الأول:

كنت جالسًا في القطار متجه من فريبورج إلى مدينة بيرينس تحديدًا شلالات جيسباخفل مع صديقي، وبينما نحن نتحدث أتى رجلان من اتجاهين متعاكسين حتى وصلوا إلى مكان جلوسي، اشهروا بطاقاتهم وكانوا يتحدثون الألمانية حيث لم استطع أن افهم ما يقولون فسألت صديقي عن الذي يحصل فقال انهما من شرطة الحدود ويطلبان بطاقات الهوية، فسلمتهم نسخة من التأشيرة إلا أنهم طلبوا النسخة الأصلية وكان ردي أني لا احملها عندما اذهب لجولات مثل هذه حتى لا افقدها، كان الشرطي السيء يجري مكالمة ليتأكد من التأشيرة، والشرطي الجيد يتحدث معنا وكنا نشرح له اجراءات التأشيرة ..الخ وسألناه عن اسوء الحالات التي نصادفها فقال عليّ التوجه لقسم الشرطة واجراء مسح للبصمة، فلما شعروا أننا نعلم جميع إجراءات التأشيرة غادروا وتأسفوا عن إضاعة الوقت.
مظهر العنصرية في هذا الموقف هو: لماذا تم التأكد من هويتي دون غيري من بين عشرات الأشخاص المتواجدين في القطار؟


الموقف الثاني:

خلال زيارتي لجنيف توقفنا أنا وصديقي في موقف الحافلات، كنت اشاهد البنايات بينما كان يقلب الخارطة لتحديد وجهتنا القادمة في جنيف، تحولت إشارة المرور إلى اللون الأحمر وتوقف السير فإذا برجل في السيارة يدفع ببوق سيارته محاولًا لفت الإنتباه إليه، وضعت يدي على صدري اذا كنت أنا المقصود فأشار إلى صديقي فظننت أنه تائه يحاول الوصول إلى مكان وصديقي لديه الخارطة فلعله يدله على الطريق وكذلك كان تفكير صديقي، فذهب ليتحدث معه وعندما عاد إلي كان يردد: لا أصدق ما كان يقول .. لا أصدق ما كان يقول، فطلبت منه أن يخبرني ماذا قال فأتضح لي أن الرجل قال لصديقي: "انتبه من ذلك الشخص (يقصدني أنا) فهو يحاول أن يسرق محفظتك" فضحكت وقلت: هذا غريب لم يقل أني أنوي تفجير مكتب الأمم المتحدة!

هذين الموقفين يصنفان ضمن نطاق العنصرية إذا ما طبقنا التعريف البسيط سالف الذكر، إذ أن تم الحكم من خلال المظهر على سلوكيات اتملكها، ففي الموقف الأول أني هارب من دولتي متجه إلى دولة أوروبية بطريقة غير شرعية والموقف الثاني لص!
ولكن يا ترى من أين جائت هذه الأفكار حتى يحكموا من مجرد المظهر على ما أنت عليه؟

بالنسبة للموقف الأول فإن أوروبا عمومًا تعاني من اللجوء داخل أراضيها بطريقة غير شرعية ولعل أكثر هذه الفئات هم السوريون فبحسب CNBC العربية فقد : تسبب الصراع السوري بأكبر زيادة في أعداد اللاجئين حول العالم باعتباره “أسوأ أزمة إنسانية شهدها العالم” بحسب مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ بلغت أعداد اللاجئين السوريين 3.9 مليون شخص، في حين بلغت أعداد النازحين داخل البلاد حوالي 7.6 مليون شخص العام الماضي، أي ما مجموعه 11.5 مليون سوري.

وقد عقد اجتماع لوزراء خارجية وداخلية الإتحاد الأوروبي للتصدي لمهربي اللاجئين بطريقة غير شرعية، حيث كانت النتيجة في هذا الإجتماع تشديد المراقبة على مثل هذه الحالات.

أما الموقف الثاني وله علاقة بالموقف الأول فإن فكرة السرقة أو الجرائم لم تكن وليدة اللحظة، ففي نوفمبر من عام 2010 وافق 52.9٪ من الناخبين السويسريين على مبادرة "ترحيل المجرمين الأجانب" ويقصد بهذا القانون بالطرد التلقائي من البلاد للأجانب المُدانين بارتكاب جرائم خطيرة، كالإغتصاب والسرقة بالإكراه والإتجار بالمخدرات والإحتيال بغرض سوء استغلال المساعدات الإجتماعية. ولكن من هم الاجانب؟ كما ورد في موقع SWISS INFO بالعربية : ولكن، يا ترى مَن هُمُ الأجانب الذين يتم طردهم من سويسرا؟ يجيب هندريك كراوْسْكوبْف، الخبير لدى المكتب الفدرالي للهجرة بشأن معايير الإبعاد ، في تصريح لـ swissinfo.ch: "هم صنفان من الأجانب: صنف يدخل ضمن إطار اللجوء، وصنف آخر يدخل ضمن إطار القانون الفدرالي بشأن الأجانب" 
ولأكون أكثر وضوحًا وصراحة فإن هندريك كراوْسْكوبْف يقصد بالصنف الأول: الأشخاص من الشرق الأوسط وأفريقيا والصنف الثاني يقصد به الأشخاص من دول أوروبا الشرقية. 
ففي حين تساهلت سويسرا بإستقبال اللاجئين زادت نسبة الجريمة وهذا ما تحاول سويسرا عمله منذ عام 2004 عند ارتفاع نسبة الجريمة وأصبحت مهددة بخسارة لقب دولة الأمان.

يذكر الكاتب محمود لواساني في كتابه: سويسرا الحضارة الصامتة:
" لقد فتحت عيني منذ طفولتي وأنا اسمع من حولي يقولون: (إن المحاكم السويسرية لا تفتح أبوابها إلا مرة كل ستة أشهر) لأن الدعاوى في هذا البلاد تكون منعدمة وكنت أزداد توقًا للمقارنة بين ما عندهم وما عندنا كلما سمعت بعض الظرفاء يعلق على هذا الوصف في نكتة تتلخص في أن هذه المحاكم إنما (تفتح أبوابها كل ستة أشهر بسبب شجار وقع أو جرم ارتكب، وكان وراءه أحد أبنائنا الشرقيين أبان تواجده في سويسرا."

أعود إلى تعليقي الساخر: "هذا غريب لم يقل أني أنوي تفجير مكتب الأمم المتحدة!" لم يكن هذا التعليق اعتباطًا فخلال تواجدي ما الذي كان يجري في دول الخليج العربي؟ ثلاثة تفجيرات في مساجد بالسعودية وتفجير بمسجد في الكويت والعدد في أزدياد ناهيك عن التفجيرات اليومية والقتال الدموي في سوريا والعراق وليبيا ومصر، والشحن الطائفي وداعش والحشد الشعبي ورؤوس تقطع وقلوب تُأكل وقتل الرهائن والأسرى بالجملة والقائمة تطول، إن هذه الصورة الذي كونها الفرد والمجتمع الغربي ناتجة عن أفعالنا وليست مجرد خيال، نحن من قام بزرع هذه الصورة لهم.

إني لا أحاول تبرئة الشعوب الأوروبية -وخاصة في مقالي السويسرية- العصمة من الخطأ أو العنصرية، فهذا بعيد كل البعد عن الموضوعية، لا تكاد تخلو دولة من مظاهر العنصرية كما أن لا يمكن تعميم فعل فرد على الجميع وإلا وقعنا في العنصرية كذلك، ولكن الأهم أن الدولة تكافح هذه المظاهر قدر المستطاع بالقانون وأنا متأكد أن من يواجه تمييز عنصري ويذهب للمحكمة فسينال حقه.