الأحد، 28 يونيو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٢) الرمزية



إن أول ما لاحظته ولفت إنتباهي قد كان قبل أن أرى أي شيء من سويسرا، لقد كان قبل السفر عندما رأيت العملة السويسرية وهي ( الفرانك السويسري ) وكانت من فئة 20 فرانك سويسري وعليها صورة رجل وللوهلة الأولى اعتقدت انه رئيس وللوهلة الثانية أنه كان رئيس وكانت الوهلة الثالثة بعد أن استعدت رشدي قليلًا أنه اقتصادي كبير كما هو الحال مع آدم سميث في عملة الباوند، ولكنه لم يكن أي من هذه الأشياء فقد كان من على الصورة ملحن سويسري يدعى ( آرثر هونيجر ) ولكن لم تكن صورته هي الوحيدة المطبوعة على كل العملات وإنما كل فئة كانت تحمل صورة لفنان سويسري، ففي فئة 10 فرانك سويسري كانت تحمل صورة الفنان المعماري والكاتب  لو كوربوزييه، حيث أن كانت له تصاميم عديدة في مختلف دول العالم ومنها الدول العربية.






أما فئة الخمسين فكانت تحمل صورة صوفي تويبر آرب وهي فنانة ورسامة ونحاتة وأيضًا راقصة سويسرية وهي المرأة الوحيدة في السلسلة الحالية التي صدرت عام 1995

وبالنسبة لفئة 100 فرانك سويسري فطبع عليها ألبيرتو جاكومتي وهو نحات ورسام ومصمم مطبوعات سويسري، حاصل على كثير من الجوائز ومشارك في عديد من المتاحف الفنية.

وفئة 200 فرانك سويسري كانت تحمل صورة الكاتب والشاعر تشارليز فيردناند غامو وله العديد من المؤلفات وحاصل على جائزة جوتفريد كيلر واحدة من اقدم الجوائز الأدبية في سويسرا.


أما اخر فئة وهي فئة 1000 فرانك سويسري فطبع عليها صورة المؤرخ السويسري 
جيكوب بوركهارت وكان مؤرخًا للفن والثقافة وواحد من أعمدة المؤرخين في عصر النهضة.

وقد تم اصدار هذه الفئات في سنوات مختلفة ابتدأت في عام 1995 إلى 1998 لمجموعة من الأدباء والفنانيين وهذا بمثابة تكريم لهم لما اضافوه في حقل الثقافة والفن.

ما الذي اعنيه بالرمزية؟ اعني بالرمزية أن وكما لاحظت تنتهج سويسرا منهج الرمز بتوزيع القوى، حيث لا يوجد في النهاية قوة واحدة تحمل كل  أو أغلب القوى وتتحكم بها، ومثال عليه العملة سابقة الذكر، قد كان بمقدورهم وضع صورة لرئيس أو مؤسس أو حتى صورة لفنان أو أديب واحد على كل العملات، ولكن هذا ليس الأسلوب المتبع هنا، فالقوى يتم تشتيتها فبدلًا من وضع صورة أديب أو فنان واحد وضعوا ستة - بغض النظر عن الفئات المعدنية- .

وهذا هو المعمول في النظام السياسي السويسري، فلا تتعجب إذا سألت يومًا سويسريًا عن رئيس بلاده وقال لك لا أعرف أو اخطأ في اسمه أو احتاج إلى وقت ليتذكر، ففي سويسرا لا يوجد رئيس يملك سلطة خاصة، وإنما أعلى سلطة في سويسرا هي الجمعية الإتحادية أو الفيدرالية وتتكون من مجلسين:

أ- مجلس الشعب
ب- مجلس المقاطعات 

وهذه الجمعية تقوم بانتخاب اعضاء المجلس الإتحادي ورئيس هذا المجلس ونائبه، وهذا المجلس هو من يقوم بتولي السلطة التنفيذية، وتقوم الجمعية الإتحادية باختيار رئيس الإتحادي كل سنة غير قابلة للتجديد.  أي أن في كل سنة هناك رئيس جديد في البلاد، حيث أن منصب رئيس الدولة أو الاتحاد هو منصب "رمزي" لاوجود لقوة حقيقة له، وانما القوة متوزعه في الجمعية الإتحادية التي يتم انتخابها من قبل الشعب، حيث يعد الشعب مصدر للسلطة باعتباره يملك قوة مفترضة وهي الجماعة أو كما تسمى الإرادة الشعبية حيث يفترض ذوبان الفرد لينخرط في الجماعة.

إن الهدف من الرمزية هي نزع التقديس الذي قد يؤدي إلى الاستئثار بالقوة وحصرها لفئة معينة من الناس أو لفرد واحد، الرمزية مع المساواة وضد التقديس حيث أنها تخلق نوع من الطمئنينة لدى المجتمع أنه لا يوجد هناك قوة غاشمة قد تأتي في يوم من الأيام وتسلب حقوقهم وأن أي قوة كهذه فما هي إلا خرافة وأساطير الآولين تداولها الناس عبر العصور والأزمان للتسلية ولا وجود لها في أرض الواقع كما هو الحال مع الفئة المعدنية والتي تحمل صورة لآلهة الحرية ليبرتاس وهي تعبر عن "رمز" للحرية وليست طاغية حقيقة تعيش بين الناس تستعبد الشعوب.



الخميس، 25 يونيو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (١) المقدمة

المقدمة:




منذ سنوات وكان حلمي الذهاب إلى سويسرا كونها أكثر الدول تطورًا من جهة، وطبيعتها الساحرة من جهة اخرى، ثم تطور هذا الحلم وأصبح غاية أقصدها فما يردده الناس حول هذه البلاد كان شيء، وكما نقرأ عن نظامها السياسي المتكامل وأسلوب الناس المتقن الدقيق وتعايشهم السلمي شيء آخر.

وبعد سنوات عثرت على هذه الفرصة، حيث تمكنت من السفر بمساعدة صديق سويسري شجعني على زيارة هذه البقعة من العالم، فكان سببًا في تسهيل عملية السفر كونها كانت أول رحلة لي خارج الخليج العربي، وكما أنه بقيّ معي يجيبني على بعض الأسئلة التي اثيرها وينتابني الفضول حيالها.

ليس القصد من هذا المقال سرد القصص وروايتها لرحلتي، وإنما عن الهدف الأول لهذه الرحلة وهي مقارنة المثال بالواقع، مقارنة الصورة المرتسمة في ذهني مسبقًا من غير أن أشاهد أي شيء، والصورة الجديدة التي ارسمها في ذهني من خلال النظر والمشاهدة، ومطابقة الصورة النمطية (Stereotype) لبعض الأنماط ومدى صحتها وما حقيقتها إذا كانت صحيحة، كالفحش في الثراء والدقة في المواعيد. 

مضى الآن أسبوع على تواجدي في الأراضي الأوروبية والسويسرية بالتحديد وقد كانت كافية لإعطائي الإنطباع الأول والصورة الأولى ولكن ما زالت ليست عميقة وتحتاج إلى وقت لنزع النظارة الوردية التي تحجب العينين، ولهذا سأقوم بإعطاء كل نقطة موضوع بشكل منفرد، وقد أضيف إليه أو اقوم بتعديله أو أشير إليه لتتكون في النهاية صورة كاملة عن رؤيتي، وفي النهاية سأقوم بعرض جميع هذه النقاط دون تكرار والمحصلة النهائية في موضوع واحد.

يجب الأشارة وكعادة كل دولة هناك المدينة والريف، وكوني أعيش في الريف في مدينة فريبورج غرب سويسرا سأوضح في النقاط القادمة إذا ما كان الموضوع متعلق بالمدن أو الأرياف سواء بطبع الناس أو بنمط الحياة أو حتى الأشياء المادية. وكما أنه ستخلل هذه النقاط بعض الأمور المتعلقة بالدول الأوروبية التي سأزورها خلال جولتي لأعطي انطباع أكثر دقة.