الخميس، 6 نوفمبر، 2014

ملاحظات حول خطاب السلطان قابوس



تم عرض خطاب السلطان قابوس بيوم الأربعاء ٥ نوفمبر من ألمانيا على قناة عمان (الرسمية)، وحظي بردود أفعال متفواتة سواء على شبكات التواصل الإجتماعي أو على أرض الواقع.







بالإمكان القول أن الخطاب كان رسالة إلى فئتين، الشعب العماني والقوات المسلحة (الجيش العماني)، بالنسبة للشعب العماني فقد كان الخطاب عاطفيًا، وهي بمثابة طمئنة الشارع العماني، وربما تسكينه وتهدئته بعد انقطاع الأخبار وانتشار الشائعات أو بالأحرى الأخبار التي لا يريد الناس تصديقها، أدى هذا الخطاب ردة فعل مبالغ فيها سواء من وسائل الإعلام أو بعض الأفراد، إلا أن ردة الفعل هذه اعطتنا إشارة وهي، أن الشارع خائف من المستقبل ويترقب مصيره ولهذا فهو لا يريد أي تغيير لأنه يخشى ما يتوقع حصوله، وحتى السلطان نفسه لا يدري ما بالإمكان أن يحدث لهذا كانت رسالته الأخرى للقوات المسلحة.

وجه السلطان قابوس رسالة إلى القوات المسلحة مذكرًا المؤسسة أن هدفها الأول وهو حماية الوطن، الجميع يعلم أن هذه هي وظيفة المؤسسة العسكرية ولكن لماذا التذكير في هذا الوقت بالتحديد؟ اعتقد أن السبب يعود إلى الجو الذي يشهده الوطن العربي هذه الأيام، فبجوارنا دولتين (السعودية والإمارات) استطاعتا أن تشتري جيوش وذمم بشر بأموالها وعاثت في بلادهم الفساد، كدعم الإنقلاب في مصر وليبيا بواسطة المؤسسة العسكرية، وهذا ليس بجديد على هذه الدولتين حتى بإتجاه عمان، والتاريخ وأحداث والواقع تثبت ذلك. حيث الأطماع في عالم السياسة تظل أطماع ولا يهم الوضع الذي يكون عليه الطرف الآخر حتى وإن كان في حاله حداد، فهذه الرسالة بمثابة التنبيه والتذكير حتى لا تضيع مؤسسة حساسة في البلد ويجلب هذا الضياع ما لا يحمد عقباه.

غياب السلطان قابوس عن مناسبة مهمة وهي العيد الوطني (يوم ميلاده) مضطرًا يؤكد أن حالته الصحية ليست مستقرة فهو يحتاج إلى رعاية طبية على وجه دائم لدرجة أنه لا يستطيع العودة إلى بلاده لأيام.

عدا ذلك لم يحمل الخطاب أي بوادر لجعل المستقبل السياسي في عمان واضح، وإنما بقاء كل شيء على ما كان عليه، ويبقى النرد هو من يحدد مستقبل هذه الدولة.


الخميس، 30 أكتوبر، 2014

لماذا اقرأ ؟

هذا السؤال راودني بعد أن قفز من العدم بدون أي مقدمات، لماذا اقرأ؟
كنت اعتقد إني أملك جوابًا، ولكن ليس بعد أن راجعت إجابتي بشكل يحمل معه شيء من الدقة.





لا أدعي إني قارئ كبير، أو إني انفق ساعات طويلة في القراءة، أو أن لي باع طويل وتاريخ سحيق في ضلوعي بالقراءة، كل ما في الأمر أني تخليت عن اغلب الإهتمامات وقدمت فيها القراءة.

والقراءة ترف فهي لا تتطلب جهد جسماني، كل ما تحتاجه كتاب تقرأه وأنت في مكانك لا تتحرك، تشرب الماء أو القهوة والشاي، هذا إذا كان الهدف من القارئ هو القراءة فقط.

تحول هذا الترف إلى شقاء بعد أن أصبح هناك هدف تحت شعار عريض وهو "البحث عن الحقيقة"، وازدادت القراءة شقاءًا بعد المصادقة من المبدأ "الصدق مع النفس".

بعد مرور الأيام في هذا العالم وتلاطم الأمواج فيه وقذفي من مكان لآخر إلا انني لم أبلغ هدفي بعد، وهو العثور على هذه الحقيقة التي ابحث عنها!
ما العلة إذًا؟ ربما لأني في بداية طريقي وكمية الكتب التي قرأتها لا تشفع لي. 
ولكني قرأت كتب لكُتاب كانوا يقرأون الكتب من مهدهم إلى لحدهم
هل الكمية معيار؟ لا بالطبع
والفترة الزمانية ؟ بالطبع لا
هل كانوا يمتلكون الحقيقة والتي قرأتها في كتبهم؟ لا اعتقد ذلك
اقوالهم تُحلل تُفنّد تُنظّر تُرد تُنتقد
ما الفرق إذاً بيني وبينه إن كان لا يمتلك الحقيقة؟
أو بالأحرى ما الفرق بينه وبين من لم يقرأ كتاب في حياته؟
هذا لم يقرأ كتاب ولم يمتلك الحقيقة
وهذا قرأ 1000 كتاب ولم يمتلك الحقيقة أيضًا

اذًا أعود إلى سؤالي الأول، لماذا اقرأ؟ 
للمعرفة.
للمعرفة التي لست متأكد أنها حقيقة؟
وإذا سلّمت إنها حقيقة، ثم؟
لا اعتقد أن هناك جواب واضح
أو أن الهدف لم يصبح صالح

اعتقد إني تهت وسأبحث عن هدف آخر






الأحد، 28 سبتمبر، 2014

أنا الدولة والدولة أنا


لم يوجد نظام سياسي سيء إلا وقد جربه العرب، فعلى مر العصور والأزمان جربنا النظام الدكتاتوري بالصبغة العسكرية والإستبداد بالصبغة الدينية والطغيان والإنقلاب والإستعمار والحكم الأبوي ..الخ
ولكن الأسوء من ذلك عندما نكون طرفًا في صنع هذا الطغيان، نضع له المبررات ومع مرور الأيام نحبه ثم نعشقه ثم لا  نستطيع العيش بدونه، فنربط الدولة بالطاغية، وتصبح الدولة هي الطاغية والطاغية هو الدولة، ومن لا يحب الطاغية فهو لا يحب الوطن.
قد لا تظهر سلبيات هذا النوع من التفكير في حين أن الطاغية ما زال يتنفس، ولكن بلا ادنى شك ستظهر عندما يذهب إلى ضريحه مضطرًا، فسرعان ما ينهار الناس، نواح وبكائيات ولطميات، تحسبهم سكارى وما هم سكارى، ذلك أنهم عاشوا في زيف استطاع الطاغية أن يصنعه ويقنعهم به، ويحقق الطاغية آخر أمنية له : أنا ومن بعدي الطوفان!
غير أنهم ما يلبثوا إلا ويبدئون بالتصفيق للطاغية الجديد، وتخرج المسيرات والهتافات: بالروح بالدم نفديك يا فلان! وتستمر صناعة الطغاة، وخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد ! 





تحدث الكاتب إمام عبد الفتاح إمام في كتابه " الطاغية " عن مثل هذه الحالة وأجاد صياغتها، مستشهدًا بذلك حالة العرب والمصريين بعد وفاة جمال عبد الناصر، أنقل لكم جزءًا من كتابه القيّم راجيًا ألا نكرر الأخطاء وأن نتعظ ! :


" ومن الطبيعي ألا نجد مثل هذا الارتباط بين شخصية الحاكم ومـسـار
الطبيعة أو التوحيد بينه وبين الناس في هوية واحدة إلا في نظام الطغيان وحده فيستحيل أن ينهار الناس أو يسقط الحكم عندما يموت الحاكم في دولة ديمقراطية بالغا ما بلغ حبهم له أو تعلقهم به فقـد حـدث مـثـلا أن حزن الأمريكيون بعد أن اغتيل كندي بغتة لكنهم لم ينهاروا. كما حدث أن أسقط الإنجليز تشرشل رغم احترامهم وتقديرهم له وفـعـل الـفـرنـسـيـون الشيء نفسه مع ديجول. أما الطاغية عندنا فهو الشعب وهو مصدر كل السلطات بطريق مباشر أو غير مباشر وأي نقد لسلوكه أو هجوم عـلـى سياسته هو نقد وهجوم على البلد بأسره لأنه هو البلد. الحرية له وحده والنقد يصدر من جانبه فحسب ولا يجوز لأحد غيره أن يجرؤ على ممارسته. إنه يمد الحبل السري إلى جميع أفراد اﻟﻤﺠتمع فيـتـنـفـسـون شـهـيـقـا كـلـمـا تنفس ولا تعمل خلاياهم إلا بأمره إنـه يمـلأ كـل ذرة غـبـار فـي الجـو مـن حولهم فهو "الزعيم الأوحد" و"الرئيس اﻟﻤﺨلص" و"مبعوث العناية الإلهية" و"القائد والاعلم" والملهم الذي يأمر فينصاع الجميع لأمره. وهو يـعـبـر عـن مصالح الناس ويعرفها أفضل منهم لأنهم "قصر" لم يبلغـوا سـن الـرشـد بعد وأنى للقاصر أن يعرف الصـواب مـن الخـطـأ أو أن يـفـرق بـين الحـق والباطل!

وانبعثت هذه الظاهرة الغريبة التوحيد بين الحاكم والشعـب لـيـصـبـح "الكل في واحد" في الليلة التي مات فيها عبد الناصر ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠عندما ذهل العالم لذلك الذي صنـعـه الـعـرب عـلـى امـتـداد أقـطـارهـم ولا سيما ما فعله المصريون من بكاء وعويل على نحو هستيري وعاشت الأمة العربية ومصر بالذات ثلاثة أيام كئيبة ثم كانت الجنازة التي سار فيها ملايين البشر يبكون ويصرخون ويلطمون الخدود... الخ.

 ومن وجهة النظر الغربية فإن ما جرى في أسبوع وفاة عبـد الـنـاصـر بـدا غـيـر مـفـهـوم عـلـى الإطلاق لدى العقل الأوروبي إذ كان صعبا على قوم تخضع حياتهم لعمليات حسابية ضئيلة أن يفهموا تلك الحالة من الاكتئاب الجماعي التي بدت لهم كوباء انتشر خلال ساعات معدودة فاستسلم الناس له بحيث فقدوا القدرة على تمييز ما يفعلون فغاب عقلهم الواعي وتركوا قيادتهم ﻟﻤﺠـمـوعـة مـن الانفعالات الحادة. ولأن صورة عبد الناصر في المنظور الغربي الاستعماري بل وفي منظور آخرين من يعادون هذا الغرب الاستعمـاري كـانـت صـورة دكتاتور وطاغية يحتقر الشعب بقسـمـيـه: الـواعـي وغـيـر الـواعـي. المـتـكـلـم والصامت المشترك والصابر فيعامل الأول بالاعتقلات والسجون ووسائل القهر والتعذيب كتعبير عن ازدرائه لإرادتهم. ويخضع الآخرين لـعـمـلـيـات غسل مخ عنيفة تحول بينهم وبين الوعي بمصالحهم. فقد كان طبيعيا عند تطبيق المحكات العقلانية الأوروبية أن يفرح المصريون لموت الطاغية الذي احتقرهم وعذبهم وامتهن إرادتهم. أو أن يكتفوا بالتـرحـم عـلـيـه انـصـيـاعـا للمشاعر الدينية التي تؤثم الشماتة في الموت فإذا حتم الأمر بعض المبالغة فليكن الدمع قليلا. أما أن تنتشر تلك الحالة العنيفة من "الاكتئاب الجماعي" فإن الأمر يصبح عسيرا على الفهم .

ولقد عكف المفكرون والكتاب على تحليل هذه الـظـاهـرة الـغـريـبـة فـي
محاولة لإيجاد تفسير لها وظهرت بالفعل عدة تـفـسـيـرات مـخـتـلـفـة كـان أضعفها القول إن مواكب الدموع العربية عامة والمصريـة بـصـفـة خـاصـة التي ودعت عبد الناصر كانت تقديرا لإيجابيات الرجل وخاصة سياسته المعادية للاستعمار وإنجازاته الاجتماعية المتقدمة.. . الخ.


١- إن هذه الظاهرة نفسها تكررت في يومي ٩ و ١٠ يونيو عام ١٩٦٧ بعد هزيمة بشعة لم يكن فيها شيء من "الإنجاز" بقدر ما كان الدمار والانهيار كاسحا فقد خرج الناس في الشوارع يطالبون عبـد الـنـاصـر بـالـبـقـاء فـي منصبه وألا يتنحى! وذلك:

 أ- بعد أن أضاع خمس الأراضي المصرية.
ب- وبعد أن أضاع ما كان بيد العرب مـن الأراضـي الـفـلـسـطـيـنـيـة إلـى
الضفة الغربية وغزة حيث التهمتها إسرائيل وأصبح غاية المنى والأمل عند العرب اليوم أن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل ١٩٦٧- أي قبل أن تضيع غزة والضفة والجولان-وهو حلم عسير المنال.
جـ- وبعد قتل آلاف من المصرييين والعرب وإصابة وتشويه وفقدان آلاف غيرهم في مسرحية تافهة لم تدر فيها معركة حقيقية واحدة.
د- الأخطر من ذلك كله تحطيم نفسية الإنسان المصري والعربي عموما بعد أن كان أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط عندما اكتـشـف أن عـالـم عبد الناصر لم يكن سوى أبنية من الورق تهدمت في ست سـاعـات وجـاء السقوط سريعا وخاطفا بينما عنتريات عبد النـاصـر الـكـلامـيـة لـم تـغـادر
الآذان بعد!.

٢- إن هذه الظاهرة نفسها تكررت أيضا عندما نظم السودانيون لعـبـد الناصر استقبالا بالغ الحرارة حين سافر يشهد مؤتمر القمة في الخرطوم الذي عقد في أغسـطـس ١٩٦٧. وبعد ما يقرب من شهرين علـى الـهـزيمة. حتى قالت الصحف الغربية -وخاصة الأمريكية- وهي تبدي دهـشـتـهـا لـهـذا الاستقبال الحار: إنه لأول مرة في التاريخ يحظى قائد مهزوم بذلك الاستقبال الذي يندر أن يحظى به الغزاة المنتصرون!" (١)



١- الطاغية، إمام عبد الفتاح إمام ص ٢٦٠

السبت، 13 سبتمبر، 2014

المادة (٦) واحتمالات واردة



تنص المادة (٦) من النظام الأساسي للدولة - الدستور - الآتي :
 " يقوم مجلس العائلة الحاكمة ، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان ، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم فإذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطان للبلاد قام مجلس الدفاع بالاشتراك مع رئيسي مجلس الدولة ومجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة "

تتحدث هذه المادة عن طريقة انتقال الحكم في سلطنة عمان، ومنذ صدور النظام الأساسي للدولة عام 1996 لم تخضع هذه المادة للتجربة بعد، إلا أنه ومن الناحية النظرية فالمادة بها الكثير من العيوب، خاصة في ظل هذا النظام السياسي الذي لا يعترف بتوازن السلطات. 

طريقة انتقال الحكم جعلت مستقبل الدولة ضبابي غير واضح، ويظن البعض أن الوضع سيمر طبيعيًا دون أي همس ولم يفكر في إحتمالات أخرى واردة. ربما من الصعب التكهن بمستقبل دولة ومستقبل شعب أو الأحداث التي ستحدث، وهذا ما لا أود ذكره هنا، وإنما أود أن أضع إحتمالات لم يضع أغلبنا لها بال قد تحدث وإن كانت نسبتها قليلة - كما نظن - ولكنها تظل واردة تشكل خطرًا على مستقبل الدولة.





أولا: مجلس العائلة :

لم يحدد القانون شكل هذا المجلس وكم عدد أعضائه وكيفية عمله وهل القرار الذي سيتخذونه بالأغلبية أو بالإجماع، وهذا في حد ذاته عيب ونقص في القانون، إذ أن هذا المجلس يقع على كاهله مهمة صعبة ومصيرية وهي اختيار سلطان يتمتع بنفوذ وصلاحيات مطلقة، فكيف للشعب أن يعلم أن المجلس اختار السلطان بالطريقة الصحيحة؟

قد يقول قائل: أن هناك لائحة داخلية تحدد كيفية عمل المجلس. وقد يكون هذا صحيح ولكنه يبقى معيب لانه سيكون بدون رقابة، حتى وإن فرضنا أنه يقول بالرجوع إلى أكبرهم سنًا أو ما شابه فنحن نتحدث عن وقت يكون في المنصب شاغرًا، هذا المنصب الذي يمتمع بصلاحيات مطلقة، فلن يكون هناك أي مانع من حدوث أي تجاوزات.

ثم إن هذا المجلس قد يحدث بين أعضائه نزاعات، ولا أعني هنا عدم الإتفاق على السلطان ثم الإنتقال إلى الخطوة التالية، وانما نزاعات تتسم بالقوة وقد تكون خارجة عن إطار القانون وقد تكون دموية، فنحن نتحدث عن بشر لا ملائكة، والوصول إلى منصب بذلك القوة أمر مغري يطمع له الإنسان، خاصة أفراد العائلة الحاكمة كل يرى انه الأحق بالرئاسة، ولهذا نرى عبر التاريخ والعصر الحديث أنه يحدث إقتتال بين الأخ وأخيه والأب وابنه وأبناء العمومة على الرياسة، والتاريخ العُماني ليس ببعيد عن هذه الأحداث ولا حتى القريب، فهذه النزاعات قد تجر البلاد إلى انقسامات وفوضى لا يُعرف نهايتها.


ثانيًا: شغور المنصب:

تنص المادة أن مجلس العائلة لديه مهلة ثلاثة أيام حتى يختار السلطان الجديد وإلا تنتقل العملية إلى تثبيت من أشار إليه السلطان، إن مدة الثلاثة أيام قد تكون محفوفة بالمخاطر، وفرصة قد ينتظرها المتربصين، ففي هذه الثلاثة أيام ستغيب قوى تسيطر على أهم المناصب في الدولة، اعني بذلك غير منصب سلطان البلاد: وزارة الدفاع والخارجية والمالية والحكومة ومجلس الوزراء والمجلس الأعلى للقضاء فكل هذه المناصب يمتلكها شخص واحد، فإن غاب بقيت هذه المناصب شاغرة لا يتحكم بها أحد، وهذا قد يثير جهات غير العائلة الحاكمة من محاولة الوصول إليها والسيطرة عليها تمهيدًا للوصول إلى الحكم.

وقد تكون هذه الجهات داخلية أو خارجية

داخلية:

ربما ابرز جهة في هذا المقام هي الجهة العسكرية، فخلال شغور المنصب لن تكون هناك قوة حقيقة إلا قوة الرجل الذي يعتلي أكبر منصب عسكري أو أن العساكر يتبعوه، هذا الرجل يستطيع التسلق إلى الحكم قبل أي شخص آخر، خاصة أن العساكر من تحته يتبعوه في كل خطوة، فهم مهيئين ومدربين للتبعية وتنفيذ الأوامر ثم مناقشتها، تم تصميم عقولهم لتعمل كالحيونات في طاعة سيدها وكالروبوت في التحكم به، وإلا كيف يقوم الإنقلاب العسكري؟

إن الإنقلاب العسكري ليس امرًا مستبعد حصوله أو لا يمكن لعقل أن يتصوره، ففي عام 2011 تم الكشف عن خلية تجسس إماراتية تورط فيها ضباط عسكريين في مناصب عليا كان هدفهم قلب نظام الحكم ولكن العملية فشلت، فطالما هناك مرة أولى فليس هناك ما يمنع من وجود مرة ثانية!

الجهة الأخرى هي الأحزاب التي تعمل في الخفاء، سواء كان هذا جزء من عقيدتها أو بسبب عدم مقدرتهم على ذلك للأسباب القانونية والأمنية، وأعني بذلك تحديدًا الأحزاب الدينية بشكل خاص وغيرها من الأحزاب بشكل عام، ويعود سبب ذلك في المقام الأول هو حرمان الأحزاب السياسية من العمل السياسي وحظرها قانونًا وملاحقة أي شخص ينتمي لأي حزب، فهذا يجعل الأحزاب مضطرة للعمل في الخفاء، فقد لا تكون موجودة في أرض الواقع إلا أن يوم واحد يكون الناس فيه مشغولين كافي لتفعيل الحزب من جديد ثم بداية التصعيد ثم السيطرة، خاصة إن كان الحزب يلقى قبولًا عند شريحة لا بأس بها من الناس وينتمي إليها أفراد لهم مكانة في المجتمع والوسط الديني، ولعل ابرز مثال لذلك الإمامة الإباضية، فالإمامة الإباضية مرت تاريخيًا بصراعات دامية مع النظام السلطاني لأنها ترى انها الأحق بالرياسة، إلا أن التنظيم خمد في عهد السلطان قابوس وقد حاول الإشتعال من جديد في عام ٢٠٠٥ (١) ولا اعتقد انهم سيتوقفون عن التفكير للوصول لسدة الحكم، فعادة الذي يحمل فكرًا دينيًا يؤمن به إلى أن تقوم الساعة ويقدم حياته اضحية لما يؤمن به. 

- خارجيًا: 


دائمًا ما تكون هناك أطماع خارجية حتى وإن كان البلد آمن ومسالم لا يتدخل في شؤون الدول وليس له أعداء ظاهرين، حتى دول الجوار قد تكون أول من يفكر في أطماعها عند وجود نقطة ضعف عند الدولة الأخرى. ولعل أبرز مثال لذلك خلية التجسس الإماراتية التي ذكرناها سابقًا، مع أن دولة الإمارات دولة مجاورة تربطها روابط تاريخية مع الدولة واجتماعية وثقافية واقتصادية،إلا أن الأطماع تبقى أطماع في عالم السياسة، كذلك السعودية التي ترى أنها قائدة الخليج والأب الحنون على بقية الدول، إلا أن عمان تنتهج سياسات مغايرة عن السعودية ولعل أبرز مثال لذلك رفض عمان الإنضمام للإتحاد الخليجي، فقد ترى السعودية أن عمان تمثل عقبة لها فهي فرصة مناسبة للتحكم بالخليج بشكل أكبر، خاصة وسبق للسعودية تاريخيًا أن كان لها أطماع في السلطنة وكان لها مؤيدين في الداخل.
 كذلك بالنسبة للتنظيمات والجماعات والأحزاب الخارجية، التي تتمدد سريعًا وليس لها موطن معين، قد ترى هذه فرصة مناسبة.

المخرج:

بالتأكيد أن لكل مشكلة حل، ولكن اعتقد أن الحل قد فات أوانه وسنظل معلقين بهذه الصورة، كان الحل هو خلق قوتين متضادتين، لا تتأثر الدولة فيها عندما يكون منصب السلطان شاغرًا، هذه القوتين هي السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الوزراء، والسلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان، وكانت فرصة حدوث هذا في الربيع العماني، إلا أن الخط قد انحرف وعلمت السلطة كيف تتعامل مع الوضع، الوضع الذي أصبح الناس يطلبون حلبات للسباق والفصل بين الجنسين في التعليم، الوضع حينما غفل الناس عن المبادئ الأساسية والضرورية التي تقوم عليها باقي الأمور التي كانوا يقومون بمطالبتهم بها. كانت فرصة مناسبة للمطالبة بتغييرات شاملة وإقامة دولة مؤسسات وقانون، دولة قوية لا تتأثر بشغور منصب.

إن هذا المستقبل الضبابي غير الواضح يتحمل مسئوليته من مسك القلم وكتب : سيكون مستقبل سلطنة عمان مجهول .. 





١- يعتقد البعض أن التهم على التنظيم كانت ملفقة





الأربعاء، 10 سبتمبر، 2014

زمن الرويبضة



رُوي عن النبي محمد (ص) : " سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب و يكذب فيها الصادق و يؤتمن فيها الخائن و يخون فيها الأمين و ينطق فيها الرويبضة . قيل : وما الرويبضة ؟
قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة "




وعاظ السلاطين وفِراخهم معجبين بهذا الحديث، حيث انهم يرمونه على كل شخص يفتح عقله قليلًا، أو يخالفهم في مسألة من المسائل. أو لشخص أراد الإصلاح ما استطاع،  معتقدين أن الرسول كان يقصد هذه الفئة من الناس، أو يعلمون أنه يقصد فئة أخرى ولكن يحاولون طمس الحقيقة وتحريفها، فالتحريف لا يحتاج إلى زيادة كلمة أو إنقاصها، فيكفي تحريف المعنى مع إبقاء الكلام على ما هو عليه.

إذا ما دققنا في الصفات التي ذكرها النبي "الكذب" و "الخيانة" والحديث في أمور عامة الناس لا تنطبق في عصرنا الحالي على الغلابة والمساكين، بل على الحكام والمسؤولين، فلا يوجد من ينافسهم في الدجل والخيانة، ومع ذلك فهؤلاء هم من يديرون أمور العامة.

نعم، نحن في زمن الروبيضة، حيث من يدير البلاد الإسلامية اليوم هو من يكذب على شعبه ومن يخون وطنه، كذب على شعبه بعد أن قال لهم انه سيكون عادلًا وسيجعلهم سعداء وسينصف المظلوم وسينصر الضعيف، ولن يقدم على أمر إلا بعد أن يستشيرهم، بينما هو في الواقع من أظلم عباد الله على أرضه، حوّل بلاده إلى حظيرة، نشر الظلم والفساد، زاد الغني غنى والفقير فقرًا، عائلته احتكرت المال والأراضي والتجارة، فرّق بين شعبه واستبد برأيه.

في زمن الرويبضة خان الحاكم شعبه، وأدخل الغُزاة في أرضه، أعطاهم حفنة من المال في سبيل تأمين كرسيه، تآمر مع العدو ضد شعبه، سرق أموال شعبه ووزعها على عائلته والمرتزقة من حوله، يصرف على شعبه بالقطارة بمقدار ما يكفيهم حتى يبقوا أحياء، ذلّ شعبه وشتت شبابه، قدّم الأجنبي في العمل عن ابن جلدته، فهل توجد أعظم من هكذا خيانة؟

إن الحكام والمسئولين - الدجاليين والخونة - الذين نصفق لهم، جعلناهم منارة هذه الأمة وأمنائها وحرّاس الوطن وولاة أمورنا، القادة العِظام أصحاب الفكر المستنير، سبب سعادتنا البائسة، جعلناهم يعيشون في القصور بينما مكانهم الحقيقي مدارس محو الأمية والمصحات العقلية.
 أعطيناهم السلطة بالتصرف في أحوالنا، كم خبزة نأكل، كم كوبًا نشرب، كم نفس نستنشق. مجدناهم عظمناهم قدرناهم عبدناهم، فصدقنا الكاذب وأتمنا الخائن، وأصبح الصادق والأمين في ظلمات السجون تحت رحمه المخبرين.


وأتى الزمن المنشود، وصدق الرسول الكريم!

الجمعة، 29 أغسطس، 2014

حول رواية " امرأة تضحك في غير أوانها "



كنوع من المصالحة مع الرواية في الفترة الأخيرة بدأت بقراءة بعض الروايات، ولكن هذه المرة كانت أول رواية اقرأها لمؤلف عماني وهي رواية امرأة تضحك في غير أوانها للكاتب نبهان الحنشي.





تتمحور الرواية حول ثلاثة قضايا وهي القضايا الإجتماعية والدينية والسياسية، ولعل التركيز كان أكثر حول القضية الإجتماعية.

- الإجتماعية :
تتحدث الرواية عن شخص يدعى " علي " من ولاية جعلان وهو " بيسر " أو كما يطلق عليه البعض " خادم " وآخرين يريحون رأسهم ويعلونها صريحة " عبد " وهي قضية إجتماعية ما زالت موجودة يؤمن بها بعض من فئات المجتمع حيث يقسمون الناس إلى قبيلي وخادم، والكاتب وفّق في تصوير هذه الطبقة من الناس من وجه نظر المجتمع، حيث لم تكن هناك مبالغات أو افكار خيالية وإنما كلها مستوحاه من الواقع.

نعود إلى علي الذي انتقل إلى مسقط وقد ترك أمه وأخته في جعلان للعمل بإحدى الوزارات كمراسل، وشاهد الكثير من الأمور المستجدة عليه في مسقط، وتعرض لكثير من المواقف في الوزارة، إلا أن شيئًا واحد لم يتغير عليه، وهي الأفكار ونظرة الناس إليه!
يتغيّر الناس عادة في تفكيرهم وسلوكهم من خلال أمرين : التجربة والقراءة وعلي بدأت تتغير افكاره من خلال هذين الأمرين، حيث احتك بأشخاص داخل الوزارة وخارجها وبدأ بقراءة الكتب واصبح مدمن عليها.

وعلي كباقي البشر تختلجه مشاعر من بينها الحب، حيث سيبدأ بقصة عاطفية مع موظفة تعمل معه في الوزارة تدعى " مي " ولعل ما اعجبني في هذه القصة العاطفية أن جعل الكاتب المرأة من عائلة ذي مكانة في المجتمع بعكس علي، حيث هناك اختلاف في المكانة الإجتماعية التي رسمها المجتمع لكليها، وهذا الإختلاف هو ما يجعل القصة تكون اكثر درامية كما لاحظنا مؤخرًا في أفلام هوليوود الرومانسية يجعلون الرجل مختلف تمامًا عن المرأة مثل فيلم (twilight) حيث كانت المرأة بشرية والرجل مصاص دماء، أو فيلم (warm bodies) وكانت المرأة بشرية والرجل " زومبي " .. الخ من الأفلام .

تتطور هذ العلاقة إلى أن يصلا إلى موضوع الزواج، إلا أنه بسبب اختلافهم في المكانة فلم يتحقق لهم ذلك فيفترقان، مي تكمل دراستها في الخارج، وعلي يستقيل من عمله.


- الدينية :

خلال عمله دخل علي في التجارة والعمل الحر، وبعد أن استقال لم يتبقى له مصدر مالي سوى التجارة، وتحسنت حالته بعد أن توسعت تجارته، انخرط في جماعة دينية بعد أن اعتاد التردد في المسجد والإحتكاك بمجموعة من الشيوخ واعجبوا به لكثرة تبرعاته لهذه الجماعة وحماسه الشديد، واصبح مشهور بينهم وإلتقى بكبير هذه الجماعة واعجب به، وكاد أن يزوجه ابنته لولا أنه اكتشف انه " خادم " فتغير كل شيء.

رغم أن الدين اتى ليساوي بين الناس " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ولم يفرق بين ابيض وأسود " لا فرق بين عربي على أعجمي إلا بالتقوى " إلا أن حتى من يدعون انهم حراس الدين والفضيلة ما زالوا يعاملون الناس ويحكموا عليهم من منظور جاهلي، ولم يتغير هذا الشيء في قلوبهم رغم انه من صميم الدين وليس له تأويليين.


- السياسي :

تبدأ احتجاجات ٢٠١١ التي عمت كل البلاد، اصبحت حرية الرأي متاحة في هذه الفترة، عدد من الناس يحتشدون أمام مجلس الشورى، يتحدثون عن أحوال البلاد والفساد والفاسدين، أثار هذا استغراب علي رغم انه غير مطلع على القضايا السياسية، إلا أن الإستغراب كان نابع من أن المتحدثين كانوا يخاطبون شريحة كبيرة من الشباب، فخطرت بباله فكرة، وهي أن تقوم الجماعة كذلك بالتحدث مع الشباب وسماع آرائهم ومطالبهم وحثهم على اختيار الصواب، وقد تحقق ذلك ولكن ليس كما كان يرجو، فخطابات الجماعة كانت متكررة ولا تمت للواقع بصلة، وبعيدة كل البعد عن القضايا المعاصرة.

القي القبض على علي خلال حضوره وقفة الإعتصام أمام مجلس الشورى، وفي المعتقل بدأ بالشك عند سماعه حوار لمعتقلين كانا معه، والحوار الذي دار بينهما دار حقيقةً في أرض الواقع، حيث انقسم المعتصمون إلى قسمين - كما يطلق عليه البعض - ليبرالي / إسلامي، وعلى إثره ترك علي الجماعة حينما وجد أن المقدمات لا تقود إلى النتائج المرسومة والمنشودة، وإنما إلى نتائج مشوهة.


- بشكل عام:

الرواية كانت واقعية أكثر من أنها خيالية، وهذه من وجه نظري نقطة قوة حيث لا تقودك الكلمات الإنشائية والمنسقة  إلى الخيال ثم لا إلى لا شيء، وأنما تصدمك مباشرة بالواقع وتجعلك تستيقظ من غفوتك، والقضايا المأخوذة هي قضايا حساسة يُعاني منها المجتمع العماني.
الرواية بها نوع من التشويق مثل قصة وفاة " حمود " والد علي، والفترات الزمنية تم حرقها - اغلبها - بطريقة مناسبة، والنهاية شبه المفتوحة.

عمومًا يبدو إني بدأت بالتصالح مع الرواية ولن تكون آخر رواية اقرأها ..











الاثنين، 18 أغسطس، 2014

نظرة حول قانون الجنسية العماني الجديد







بتاريخ ١٢ اغسطس لعام 2014 تم إصدار مرسوم سلطاني رقم ( 38/2014) المتعلق بقانون الجنسية العمانية، وما يهمنا في هذا المقام هو إلقاء نظرة حول أهم ما جاء به القانون الجديد، وما التغيرات التي حدثت له، واذا عالج أهم فجواته وأخطاءه.


١- حُذف البند الرابع من المادة ١ من القانون القديم المتعلق بمن يعتبر عمانيًا بحكم القانون، والذي ينص على : " من ولد في عمان وجهل منها اقامته العادية وكان ابوه قد ولد فيها على أن يكون الأب وقت ولادة الابن فاقد الجنسية واستمر كذلك "


٢- لم تختلف المدد التي يتطلبها القانون لكي يتقدم الاجنبي بطلب الحصول على الجنسية العمانية، وهي ان يكون قد اقام ٢٠ سنة في عمان، و١٥ سنة اذا كان متزوج من عمانية، إلا انه أضاف شرط جديد بالنسبة للمتزوج من عمانية وهو أن يكون له منها ولد.


٣- أضاف مادة كاملة (١٧) تتعلق بالأجنبية أرملة أو المطلقة من عماني.


٤- اضاف مادة كاملة (١٨) تتعلق بمنح الجنسية العمانية للقاصر ولد المرأة العمانية من زوج أجنبي ومن بين الشروط أن يكون قد هجرها زوجها لجهة غير معلومة لمدة لا تقل عن ١٠ سنوات.


ويلاحظ من شروط المادة ١٧ و ١٨ من قانون الجنسية الجديد أنها نفس الشروط لأكتساب الجنسية من حيث المدد الطويلة والإشتراطات البدهية، ولم يقلل المدة حتى يجعل إكتساب الجنسية أسهل وأيسر.


٥- قسّم سحب الجنسية إلى أصلية كما اشارات المادة 20 وإلى سحب الجنسية لمن اكتسبها في المادة 21.
وقام بتعديلات طفيفة حول الحالات، فقد الغى الحالة التي كانت موجودة في القانون السابق، والتي تنص على : " كل من يثبت انه يعتنق مبادى أو عقائد لا دينية أو ينتمي إلى جماعة أو حزب أو تنظيم يعتنق تلك المبادئ أو العقائد "
- فأصبح لا بأس بإعتناق عقائد لادينية على الأقل من وجهة نظر القانون -

واستخدم في القانون الجديد مصطلح فضفاض " مصلحة عمان " ولا ادري يقصد بمصلحة عمان بأي منظور؟
أما المواد الأخرى فهي موجودة في القانون القديم


٦- الغى المادة ١٥ من القانون القديم والتي تتعلق بالفصل بالمنازعات، واحالها في القانون الجديد إلى اللائحة كما اشارت المادة ٣ من قانون الجنسية الجديد.


٧- في العقوبات : قام برفع العقوبة في القانون الجديد حيث عقوبة كل من يدلي أمام السلطات المختصة بمعلومات كاذبة أو يقدم وثائق غير صحيحة بقصد اكتساب الجنسية العمانية لنفسه أو لغيره


في القانون القديم :
السجن لمدة لا تتجاوز السنتين والغرامة لا تتجاوز 2000 ريال
أو بالعقوبتين معًا


في القانون الجديد:
السجن من سنة الى 3 سنوات
الغرامة من 5000 إلى 10,000
أو باحدى هاتين العقوبتين


كلمة قبل اخيرة :

اذا أردت تقييم القانون فهو برأي لم يتغير حتى وإن أضاف وعدّل وحسّن صياغة القانون، لأنه وبلحظة واحدة سيضرب قانون الجنسية بعرض الحائط، لأنك ستكتشف على أنه لا يوجد قانون وإنما الأمر أولًا وأخيرًا في يد وزارة الداخلية، حيث لم تتغير المواد ولم تلغى التي تتعلق بالصلاحيات المطلقة لوزارة الداخلية في المنح والرد، حيث تنص المادة ٣ من القانون الجديد : " تقدم الطلبات المتعلقة بمسائل الجنسية إلى الوزارة، وتتولى دراستها والبت فيها وفق الإجراءات والضوابط التي تحددها اللائحة، وللوزارة رفض أي طلب دون ابداء الأسباب "

والمادة (٥) : " لا يجوز الجمع بين الجنسية العمانية وأي جنسية اخرى إلا بمرسوم سلطاني "

المادة (٨) : " يجوز استثناء وبمقتضى مرسوم سلطاني منح أو رد الجنسية العمانية دون التقيد بالشروط والأحكام الواردة في هذا القانون " !!

فالسؤال الذي يتبادر لقارئ هذه المادة: ما الفائدة اذًا من القانون !


كلمة اخيرة :
مر هذا القانون مرور الكرام من أمام مجلس عمان ( الشورى والدولة ) ودعوني اطمئنكم حتى ولو مر أمامه ٧٠ مرة لن يستطيعوا تغيير حرف واحد، ومثل ما يقول إخواننا المصريين: بلاش نكزب على بعض


للاطلاع على قانون الجنسية العماني وتحميله بصيغة PDF




الخميس، 7 أغسطس، 2014

هل نعيش في ظل قانون الطوارئ ؟







اصبح الوضع الأمني في عمان بعد مغادرة السلطان للبلاد به نوع من الحساسية المفرطة، التي لا تقبل أي همس أو ضجيج وكأن البلد تعيش في ظل قانون الطوارئ الذي لا يقبل بالأمور الإعتيادية وإنما اصبح الوضع يخضع لقوانين خاصة، تكفل الجهاز الأمني بتطبيقها وكأننا في مواجهة خطر محدق قد يجر البلاد إلى ما لا يحمد عقباه، والعياذ بالله!


لاحظت أن الوضع قد تغير بعد مغادرة السلطان عمان إلى ألمانيا في رحلة "لقضاء الإجازة السنوية ولإجراء بعض الفحوصات الطبية" (١)  كما اشارت وكالة الأنباء العمانية. فلم يدم الوقت طويلًا حتى بدأ تفعيل قانون الطوارئ الذي تكفل بتنفيذه الجهاز الأمني  الذي كانت وما زالت مهمته، أو يظن أنه هو حامي حمى الوطن ولولاه لما استطاع المواطنون النوم ليلًا بأريحية، فلابد له أن يثبت ذلك بإعتقلات لبعض "المشاغبين" الذين يزعجون النيام، فلابد للنائم أن يحظى بالهدوء حتى لا ينقطع عليه حلمه.


بعد ثلاثة أيام من مغادرة السلطان للبلاد تم اعتقال كل من نوح السعدي ومعاوية الرواحي "ويرجح اعتقال نوح السعدي، إلى نشاطه الحقوقي البارز في قضيتي أحداث لوى،وهي القضية التي اعتقل فيها عضو الشورى طالب المعمري وعضو المجلس البلدي صقر البلوشي بالإضافة إلى عدد آخر من المواطنين، وكذلك قضية اعتقال واختطاف عددا من المواطنين وإخفاءهم قسرا في جهة مجهولة من قبل قوات الأمن الداخلي يوم 7 مايو/آيار السابق، قبل أن يطلق سراحهم لاحقا يوم 12 يوليو/تمّوز 2014 دون توجيه أيّة تهمة إليهم، كما أنه يساهم إلى نشر الوعي الحقوقي كما يُرجح اعتقال المدوّن والكاتب معاوية الرواحي، إلى مقال كان قد نشره الأسبوع الماضي، ينتقد فيه جهاز الأمن الداخلي وتدخله في إدارة مؤسسات الدولة ومحاولة اعتقال أسماء محددة من الناشطين أو المضربين، وذلك على خلفية الحكم الصادر ضد المعلم العماني أحمد البحري." (٢)

وأسباب الاعتقال - المرجحه - لم تولد في نفس اليوم التي تم اعتقالهم فيها، وانما هي انشطة سابقة مضت عليها الأيام والشهور، ولكن كان لابد من تقديم كبش فداء حتى يتعض بقية القطيع. 


اذا دخلنا في عقل الجهاز الأمني سنجد أنه مثل حارس بيت لا يثق به سيده،  قد يكون السبب انه خانه في أحد الأيام، وهو يريد أن يكفّر عن سيئته ويعيد علاقته بسيده من جديد، فيقوم بتنفيذ الآوامر بمبالغة كبيرة وفي نفس الوقت بطريقة خاطئة ويحسب أنه يحسن صنعاً، ومن جهة اخرى يريد هذا الحارس اثبات وجوده وابراز أهميتة ولكنه في ذات الوقت هو ضرير لا يشاهد نتائج اعماله، وهذه المرة قام سيده بتوصيته أنه يريد منه حراسة البيت بشكل جيد.


وبتاريخ ٣ اغسطس برزت تجليات هذا التوصيف وذلك بأن قامت الشرطة بمنع وقفة تضامنية مع غزة وقامت بإغلاق الطريق المؤدي إلى الساحة في حي الوزرات (٣)، فمثل هذه الوقفة التضامنية السلمية الانسانية يرون انها تثير الشبهات وتفتح مجال للمشاغبين والمندسين ليحققوا بها غايات لا يعلمها إلا هم والله، فمن الأفضل منعها ووقف هذا النشاط وأنا على يقين إن لم ينسحب الناس من الساحة لقُمعت بالقوة .


والحدث الآخر الذي يؤكد على ما قلناه هو هو استمرار جهاز الأمن بواسطة الإدعاء العام من استمرار حبس عضو مجلس الشورى طالب المعمري، رغم أن المحكمة قامت بتقدير الكفالة (10,000) وتم دفع المبلغ، وهذا ما يتعارض مع القوانين ( قانون الاجراءات الجزائية الذي ينص في مادة ٥٤ : الامر بالحبس الاحتياطي الصادر من الادعاء العام يكون لمدة سبعة ايام يجوز تجديدها لمدد اخرى اقصاها ثلاثون يوماً ) بينما قضى طالب المعمري ٥٥ يوم تحت ذمة التحقيق بحسب محاميه (٤)
وهذا ما نود أن نشير إليه أن حتى القانون لم يعد له أهمية في ظل قانون الطوارئ لأنه قد يعدل في القوانين أو يلغيها حسب ما تقتضيه المصلحة العامة!!!
حيث يرى جهاز الأمن أن الإفراج عن طالب المعمري قد يسبب بلبلة لا تحمد عقباها، فهم يرون ما لا نرى فالوضع الأنسب الآن هو الصمت وقمع أي ضجيج أي كان مصدره أو اسبابه، وفي هذه الحالة يكون قانون الطوارئ قد تم تفعيله، وحينها قد يرضي الحارس سيده.













الأحد، 15 يونيو، 2014

حلقات مفرغة ..!






في كل قضية تثير الرأي العام اهتم كثيراً بمتابعة الردود الساخطة علّي اجد سبب ومكمن الخطأ ، ومن يجب علينا أن نلوم فعلاً ، لأنه وفي كل مرة اعتقد ان جميع الاخطاء المتكررة سببها شيء واحد ، فينتابني شيء من الاعجاب والدهشة : هل انا اصيب في كل مرة ؟ قطعاً لا ولكن اغلب الردود التي اتابعها لا تعطيني اجابة شافية كافية لكي تقنعني ، بل تدخلني في حلقات مفرغة ، وكلما خرجت من حلقة دخلت في اخرى إلى أن اصل إلى السبب الذي اجزم انه فعلاً من يقع اللوم عليه .


فتعال معي لكي اخبرك ما هي هذه الحلقات المفرغة وما هو الشيء الذي دائما ما القي اللوم عليه واعتقد انه سبب المشكلة .


مثال على ذلك ما حدث اليوم من تداول في شبكات التواصل الاجتماعي واصبح حديث الساعة ، وملخص الحدث أن مجلس الوزراء قام بتعديل قرار رئيس الهيئة العامة لحماية المستهلك بشأن حظر رفع اسعار السلع والخدمات ، حيث من خلال التعديل تم حصر الاشياء التي تتكفل حماية المستهلك بمراقبتها وهي ٢٣ سلعة من قبيل الدنجو والهريس ومعجون الاسنان !
وكل ذلك كان بهدف ما تقتضيه المصلحة العامة




ولا اعتقد انك بحاجة لتتسائل ما دخل مجلس الوزراء بهذه المسألة وتبذل جهد عقلي ، لأن الامور واضحة وهي أن اغلب - إن لم يكن الكل - الوزراء تجار !

أو لديهم مصالح مع التجار بالتالي في الحالة السابقة كانوا سيتضررون فوجب التدخل للحد من صلاحيات هيئة حماية المستهلك .

- ولكن  هناك نص قانوني في النظام الاساسي للدولة يحظر على اعضاء مجلس الوزراء ممارسة الانشطة التجارية .

وهذا صحيح ولكن منذ متى سيقول لك اللص اني سرقت ؟

فهم لا يمارسون التجارة باسمائهم وانما يتسترون باسماء اخرى وهذا ما يعرف بالتجارة المستترة .

- اذاً لا بد لنا من قانون يكافح الاحتكار والتجارة المستترة 

نعم صحيح اتفق معك ، ولكن دعني أأخذك إلى حلقة مفرغة اخرى :

في شهر مارس من عام ٢٠١٢ اقر مجلس الدولة " بالأغلبية المطلقة " مقترح إنشاء المحكمة الدستورية ، ولكن وببساطة مجلس الوزراء رفض القرار !
وهو يستخدم الصلاحيات التي اعطاها اياها القانون المتمثلة في النظام الاساسي للدولة

اذاً القوانين والقرارات لا بد ان تمر على مجلس الوزراء حتى تصدر ومجلس الشورى والدولة لا يستطيعان ان يحسما صدور القانون اذا تم الرفض من قبل المجلس أو السلطان ( الرئيس ) كما هو معتاد في الدول المحترمة .

بالتالي قانون حماية المستهلك ومكافحة الاحتكار والتجارة المستترة الذي تم مناقشتة قبل فترة بين مجلس الشورى ومجلس الدولة سوف يمر على مجلس الوزراء ، بصيغة اخرى القانون الذي يكافح جشع التجار لابد ان يوافق عليه التجار الجشعين ، فساعدني على الخروج من هذه الحلقة !

- اذاً لابد ان نعطي مجلس الشورى ( المجلس التشريعي ) صلاحيات حقيقية والزامية ويكون مستقلاً عن السلطة التنفيذية .

نعم ، وهذا ما ادعوا اليه ولكن هناك مسألة ينبغي لك أن تعلمها ان هذه الصلاحيات لا يمكن ان يكتسبها المجلس إلا بتعديل النظام الاساسي للدولة ، ولتعديل النظام الاساسي للدولة فانه ينص في المادة ٨١ : لا يجري تعديل هذا النظام الا بنفس الطريقة التي تم بها اصداره .

- وكيف اصدر ؟

بمرسوم سلطاني ، والآن هل علمت سبب المشكلة ؟
























الاثنين، 7 أبريل، 2014




نظرية وسطية الحكمة ، هذا هو العنوان الأبرز الذي اختتمه الكاتب زكريا المحرمي في كتابه استئناف التاريخ ، والذي يحاول أن يثبت فيه أن ما توصل اليه فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير غير صائب ، محاولاً تقديم " نظرية لم تدخل ميدان التجربة بعد ، وهي ما تزال فكرة بكر بحاجة إلى مخض ونقد واختبار وإنضاج " (١) وهذا ما اود عمله في هذا المقال .


في آخر 20 صفحة يوضح الكاتب شكل هذا النظام وعلى ماذا يقوم ، وكعادة أي نظام على مختلف العصور والأزمان فإنه لا بد أن يدعي انه يقوم على العدل والمساواة والحرية ، فلا يوجد نظام يقول انه يقوم على الظلم والتمييز والعبودية ، فالعبرة أولاً واخيراً بالتطبيق . رغم ذلك سأقوم بمناقشة هذه النظرية والتي يفترض أن تكون قد جلبت معها ما هو جديد متجاوزةً النظريات السياسية الحالية . 


يقسّم الكاتب مؤسسات الحكم إلى ٧ عناصر ، ولكن سنتحدث في هذا المقال عن عنصريين ، وكنت اود لو اني استطيع أن اتحدث عن ثلاثة عناصر وهي الأهم في أي نظرية سياسية المتمثلة في السلطة التنفيذية والتشريعية ، إلا أن عنصر ( الحكومة ) لم يأت له تفصيل ، فما هو شكل الحكومة في هذا النظام ؟ وكيف يتم تعيين اعضائها ؟ وهم مسائلون أمام من ؟ وكثير من الأسئلة التي سنتركها معلقة بلا جواب . 

أما بالنسبة للعناصر الأخرى فتتفق اغلب الانظمة عليها كاستقلال القضاء ودور المجالس البلدية وضرورة وجود المؤسسات المدنية .


أولاً : الحاكم 


وصف الكاتب الحاكم بأنه يمثل رأس السلطة ، بينما الحكومة تمثل السلطة التنفيذية ، ومن هنا نتسائل رأس أي سلطة ؟ 

وهل الحاكم لا يعتبر من السلطة التنفيذية ؟ أم انه سلطة رابعة ؟ اضع هذه الاسئلة ليس لمجرد اظهار الثغرات وانما لاهمية تحديد وبيان كل شخص أو جهة والى أي سلطة ينتمي ، وتظهر هذه الأهمية عند تطبيق مبدأ فصل السلطات وتحديد صلاحيات كل سلطة ووظيفتها وحدودها .

ثم يضع الكاتب الشروط الواجب توافرها في الحاكم وهي : 

١- الانتماء إلى الطبقة الوسطى
٢- العلم
٣- الحكمة
٤- الاهلية البدنية
٥- الفضيلة 
٦- الانتماء

بالنسبة إلى ضرورة انتماء الحاكم إلى الطبقة الوسطى فإنه كوّن رأيه اعتماداً على ارسطو الذي لم يعش في زمن ابراء الذمة المالية ، ومراقبة الاموال الداخلة والخارجة في الحساب البنكي قبل وبعد فترة حكمه ، وعلى ذلك سار المشاؤون فيشترط الفارابي للحاكم " ان يكون الدرهم والدينار وسائر اغراض الدنيا هينه عنده " (٢) كذلك يرى ابن رشد من شروط الحاكم " ان يكون غير محب للمال " (٣) ، فهم يبحثون عن كائن بشري تخلى عن بشريته ، غير انهم يرون أن الطبقة الوسطى لا تهتم بالمال ، غير ملاحظين انهم اخلوا بمبدأ المساواة والذي يقضي بأن الناس متساوون في حقوقهم والتزاماتهم ، فما الضير ان يترشح غني أو فقير اذا كان في نهاية المطاف محكوم وفق انظمة وقوانين تحدد اختصاصه وما له وما عليه ؟ 

اما بقية الشروط فهي متفق عليها في مختلف الازمان ، فالفقهاء كالماوردي وضع سبعة شروط للامام

" أحدها: العدالة على شروطها الجامعة. 

والثاني : العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام .

والثالث : سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان، ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.

والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض .

والخامس : الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح .

والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو .

والسابع : النسب، وهو أن يكون من قريش " (٤)

اما الجويني اضاف على ما ذكر اشتراط الذكورة والحرية وغيرها من الشروط البدهية ، ولم يوافق الماوردي في مسألة النسب (٥) 


اما الفلاسفة الطوبائيون ومن لف لف افلاطون ومثالياته فانهم وضعوا شروط تكاد تكون تعجيزيه ، فهم يريدون حاكم فيلسوف ويحكم شعب متفلسف ، والغريب في الأمر انهم يدركون انه امر لن يتحقق ، فبعد أن ذكر الفارابي شروط هذا الرئيس الفيلسوف الاسطوري اعترف ان اجتماع هذه الصفات في انسان واحد امر عسير ، كذلك اعترف ابن رشد بذلك بقوله : " ولقد قيل انه من الصعوبة بمكان ان تجد مثل هؤلاء الرجال ، لذا فقد صح القول انه من الصعب ان تقام مثل هذه المدينة " (٦)

اما بالنسبة للعصر الحديث فهو ينص على هذه الشروط بمسميات اخرى فالحكمة هي اشتراط بلوغ سن معين ، والانتماء بمعنى ان يمتلك الجنسية الاصلية ، والفضيلة ان يكون غير محكوم عليه بجرائم مخلة بالشرف والأمانة . 

فالشروط التي وضعها الكاتب هي موجودة سواء قبل الميلاد أو قبل ١٤٠٠ سنة أو في زمننا المعاصر ، وما حاول الخروج عنه في زمننا المعاصر ومحاولة اخذ شروط من الفقهاء او الفلاسفة ما هي إلا محاولة غير موفقة تجاوزتها النظم الحديثة وذلك لتعارضها مع مبدأ المساواة ، وسنوضح ذلك اكثر في شروط الناخب . 


- الناخب :

من ناحية انتخاب الحاكم يرى أن الجميع له الحق في الانتخاب ولكن قسم الناخبين إلى ثلاثة اقسام :

١- من له صوت واحد : ما دون الاربعين ولا يحمل شهادة الاجازة العلمية
٢- من له ثلاثة اصوات : من يبلغ الاربعين فما فوق ويحمل الشهادة العلمية
٣- من له خمسة اصوات : من يبلغ الاربعين فما فوق ويحمل الشهادة وكان مسئول سابق


اما بالنسبة لانتخابات اعضاء الشورى فيشترط للناخب أن يكون حاصلاً على الشهادة العلمية .


وهذا ما يعرف في الفقه الدستوري بالاقتراع المقيد " ولقد انتشر نظام الاقتراع المقيد في الدساتير التي ظهرت في القرن الثامن عشر ومنها دستور الولايات المتحدة الامريكية والدساتير الفرنسية حتى عام ١٨٤٨ باستثناء دستور ١٧٩٣ ودستور مصر ١٩٢٠ والنظام الانتخابي في انجلترا حتى عام ١٩١٨ " (٧) إلا انه بدأ بالتلاشي شيئاً فشيئاً بعد أن زاد الوعي السياسي ، والوعي السياسي لا يكتسبه الشخص من شهادة الهندسة أو الزراعة وانما عن طريق الممارسة واتاحه الفرصة للجميع بالتساوي في صنع القرار .


إن اعطاء ابن سينا ٥ أصوات في انتخابات الرئاسة والسماح له بانتخابات الشورى ، واعطاء ابي ذر الغفاري صوت واحد فقط في انتخابات الرئاسة وحرمانه من انتخابات الشورى ليس علاجاً من اشكالية تأثير اصحاب الأموال على الناخبين ، بل إن تتبعنا الأحداث الجارية لرأينا أن اصحاب الأموال يستخدمون من اعطيناهم خمسة اصوات وثلاثة اصوات للتأثير على الناخبين .

ما اود قوله أن الشهادة العلمية ليست معياراً لضمان عدم تأثر الناخب بالدعايات وانما المعيار هو الوعي السياسي والذي اشرت سابقاً انه يكتسب ويتأصل في الشخص عن طريق الممارسة ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال صد هذا التأثير نهائياً وانما ستتفاوت درجته بحسب الوعي الفردي والجماعي في المجتمع .




ثانياً : مجلس الشورى ( البرلمان ) :


ووضع له اربعة مهام رئيسية :

التشريع والمراقبة والمسائلة وعزل الرئيس


وهذه العناصر موجودة في أي نظام يتبنى الديمقراطية ولا يوجد أي جديد أو اضافة ، بل إن بعض النظم قد تجاوزت هذه المرحلة ، كالديمقراطية شبة المباشرة المطبقة في سويسرا مثلاً ، فالشعب يمتلك الادوات اللازمة لضمان سير العمل السياسي بشكل سليم .

ومنها الاستفتاء الشعبي والاقتراح الشعبي والاعتراض الشعبي وحق اقالة الناخبين لنائبهم والحل الشعبي وعزل رئيس الجمهورية وغيرها من الحقوق والأدوات التي تجعل الشعب بنفسه يمارس حقوقه السياسية بدلاً من اسنادها للنواب ثم القاء الحبل على الغارب .

هذه الممارسة هي التي تخلق وعياً سياسياً يصعب اختراقة من قبل اصحاب الاموال ، اما عندما نحصر عمل الشعب السياسي في الانتخابات الرئاسية والنواب ثم يعود الفرد لفراشه للنوم إلى الانتخابات المقبلة فهذا الذي يجعله عرضه للاختراق ، سواء كان يمتلك شهادة أم لا يملك .



كلمة أخيرة :


آخر 20 صفحة من الكتاب هو بالتأكيد اهم ما جاء فيه ، كونه يطرح فكرة جديدة لنظرية سياسية يفترض انها تتجاوز النظريات السياسية الحالية ، إلا انني اعتقد انها تفتقر إلى عنصرين مهمين :


الأول : اضافة اشياء جديدة فعلياً ، فاغلب ما تم ذكره هي اساليب قديمة تم استخدامها في ارض الواقع وتم تجاوزها مع مرور الزمن ، وهذا لا ينطبق مع العنوان الفرعي من الكتاب " والنظام السياسي المنتظر " كون هذه الانظمة قديمة ، وينبغي معرفة ان ليس هناك نظام سياسي كامل وانما انظمة متفاوته في الايجابيات والسلبيات ، ومحاولة جمع ايجابيات كل نظام في نظام واحد لا يجدي نفعاً ، هو بحد ذاته اسمه " نظام " فتأكد إذا اخذته ستأخذه بايجابياته وسلبياته .


الثاني : أن فكرة فوكوياما بالتأكيد مضحكة ، وليس لدي شك في أن الأجيال القادمة سيسخرون من فكرته ويضحكون عليها ، ولكن في حين رغبة تقديم نظام سياسي جديد فينبغي أن يكون مشروح بدقة متناهية وبشكل مستفيض ، ويقتبس الكاتب من كتاب سيكلوجية الجماهير لجوستاف لوبون : " الكلمات التالية : ديمقراطية ، اشتراكية ، مساواة ، حرية فمعانيها من الغموض بحيث نحتاج مجلدات ضخمة لشرحها " (٨) فهل تكفي نظرية وسطية الحكمة ٢٠ صفحة ؟

ان النظرية اتت بشكل " اعم من العام " وهي بحاجة إلى توضيح اكثر ، وحتى ان اعتبرناه كالدستور ، فالدستور وحده لا يكفي ، فهناك لوائح داخلية توضح كيفية عمل وسير الاجراءات في مختلف الدوائر والجهات .


ولا ندري ربما يود الكاتب أن يوضح نظريته في كتابه القادم !






١- زكريا المحرمي ، استئناف التاريخ ص ١٢٢

٢- الفارابي ، اراء اهل المدينة الفاضلة ص ١٩٨

٣- ابن رشد ، تلخيص السياسة ص ١٤١

٤- الماوردي ، الاحكام السلطانية ص ١٩ بترتيب المكتبة الشاملة

٥- الجويني ، غياث الامم في التياث الظلم ص ٦٧ وما بعدها بترتيب المكتبة الشاملة

٦- ابن رشد ، المرجع السابق ص ١٤٢

٧- نعمان احمد الخطيب ، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري ص ٢٨١

٨- زكريا المحرمي ، المرجع السابق ص ٣٣





الاثنين، 17 فبراير، 2014

المحكمة الدستورية في ذمة الدراسة



نشرت صحيفة الشبيبة بتاريخ ١٥ من شهر فبراير خبر عنونته ب " مجلس الوزراء يطالب اخضاع مقترح المحكمة الدستورية للدراسة " وخلاصة الخبر أن مجلس الوزراء رفض مقترح إنشاء المحكمة الدستورية . وهذا الخبر غير مفاجيء وليس مستبعد اطلاقاً ، فلقد بح صوتنا بالقول أن لدينا مشكلة وفجوة عميقة في السلطة التشريعية ، وأن التعديلات الأخيرة لم تكن إلا بمثابة توسعه المسرح وزخرفته .





إن السلطة التشريعية وآلية التشريع لم تتغير بعد التغييرات الأخيرة على النظام الأساسي للدولة ، فبتاريخ ٢٠ من شهر مارس لعام ٢٠١٢ اقر مجلس الدولة  " بالأغلبية المطلقة " مقترح إنشاء المحكمة الدستورية ، وتمت على أثره الدراسات والمناقشات والملاحظات ، وتم الإشادة بالأعضاء واستبشر الناس بهذه الخطوة والتي تعد بالتأكيد خطوة للأمام وهلل الناس وفرحوا وتحدثوا عن أهمية هذا المقترح ، ولكن وبعد سنتين لم تشفع كل هذه الأمور أمام السلطة التنفيذية المتنفذة في رفض الإقتراح في عشية وضحاها .

وإن تحدثنا للأسباب التي من خلالها تذرع مجلس الوزراء لرفض اقتراح المحكمة الدستورية سنجد انها متناقضة ، فالسبب الأول أن الإقتراح بحاجة إلى مزيد من الدراسة لأهمية الخطوة كونها تتعلق بمسائل دستورية وتنظر في تضارب المراسيم مع النظام الأساسي للدولة .

أما السبب الثاني هو نقص الخبرات في مجال المحاكم الدستورية لعدم وجود محاكم دستورية في دول الجوار للإستفادة منها !

فبالنسبة للسبب الأول فأنا اتعجب كيف أن لهذه المحكمة الدستورية أهمية كبيرة إلا إننا في عام ٢٠١٤ وما زلنا لا نملك محكمة دستورية ! فمجلس الوزراء يقيس أهمية المحكمة بدراستها لا بوجودها بالتالي دراستها لمدة قرن من الزمان خير من وجودها !

أما السبب الثاني والذي يناقض السبب الأول يذكرني بخريج الجامعة أو الكلية الذي يبحث عن عمل ولكنه لا يجد بسبب أن الوظائف المتاحة تحتاج إلى خبرة ، فيعيش حياته في حيرة فكيف له أن يكتسب خبرة وهذه الخبرة لا تأتي إلّا بالعمل والعمل يتطلب خبرة ، فيظل في هذه الدائرة إلى ما شاء الله .

ولكن مجلس الوزراء لم يكتفي بهذه الدائرة المفرغة بل دخل في اخرى  وتحلى بصفة الإيثار فكيف يتسنى له أن يتقدم دول الجوار وينشأ محكمة دستورية ، وربما كان هذا لسان حال كل دول الجوار ، فلعل كل دولة تتذرع بأن دول الجوار ليست لديهم تجربة ، وكل دولة تنتظر اختها وكأن ليست كل دولة ذات سيادة ونظام خاص بها .

أقول هذا الكلام مع علمي أن دولة الكويت لديها محكمة دستورية منذ عام ١٩٧٣ ولكن وكما يقول المثل العماني : " رابع الكذاب إلى رز الباب " .

اجد هذا القرار الصادر من مجلس الوزراء طبيعياً وإن كنت متعجباً فعجبي انه يسبب الرفض فكان بإمكانه أن يرفض دون أي تسبيب ، واعتقادي أن السبب الحقيقي وراء الرفض أن أي فكرة جديدة لابد أن تجد من يعارضها ومن بين هؤلاء المعارضين ستجد اصحاب المصالح الذين يخشوا أن تختفي مصالحهم أو اصحاب الإصدارات الخرِفه الذين ما زالوا يعيشون بعقولهم في القرن العاشر وبجسدهم في القرن العشرين . وما زاد الطين بللاً أن النظام الأساسي للدولة يساهم في إعاقة الأفكار التي من شأنها أن تخدم الشعب وتدفعه إلى الأمام فمن خلاله تم تهميش السلطة التشريعية بشكل واضح ولم يجعل له كلمة إلا بإذن السلطة التنفيذية . وإن كنا نعلق أملنا بوجود محكمة دستورية حتى يرى مجلس الوزراء أن الدراسة قد اكتملت فاعتقد أن الله لن يرزقنا برؤيتها وستظل قيد الدراسة متنقلة بين الأدراج لمدة طويلة من الزمن .

إن الاحداث التي نمر بها تجعلني متأكداً أن الخلل يكمن في النظام الأساسي للدولة وإن ترقيعه لم يجدي نفعاً ، فإن كنا نبحث حقيقة عن الإصلاح ومستقبل الوطن فلابد من تعديل النظام الأساسي للدولة بما يتوافق مع العصر الحديث ، أو وضعه في متحف واستبداله بآخر جديد ، والأمر الثاني اجده اقرب للصواب ، لأنه لو استمر الحال على هذا النحو فليس هناك أي مؤشر أن الوضع سيتغير .