الأحد، 27 أكتوبر، 2013

وانطلق المنشار الذي بداخلي


يقول الراوي :


اجتمعت مع نفسي في اجتماع استثنائي ، فهذه المرة كانت كل نفس على حدى ، كل نفس باهتماماتها وخصائصها وشخصيتها . كان الاجتماع يدور حول مستقبلي ، وماذا يجب أن اكون ، وماذا يجب عليّ أن افعل من أجل ذلك ، وكان القرار الذي سنخرج به مصيرياً ، فقد قضيت فترة طويلة تائه مشتت ، فقررت أن اعقد هذا الاجتماع وأن لا اتخذ قراراً فردياً لانه مصير الجميع .



بدأنا الاجتماع مع نفسي المتعددة ، كالمتواضع الذي بداخلي  والحكيم والجاد والساخر والرومنسي والرياضي ... وغيرهم ، وكان النقاش يسير بشكل بطيء ودقيق لانه مصير الجميع ، فأي قرار يتضح انه خاطيء سيعود اثره على الجميع ، فكان الجميع يهدف إلى الإستقرار ، فلم يكن هناك اختلافات بينهم ، والكل يريد الوصول إلى هذا الهدف ويمكن القول أن هناك اجماع .



كنا نقترب من نهاية الاجتماع إلا إنني شعرت أن الوضع غير مكتمل وأن هناك شيء ناقص ، فالأمور جرت بشكل اعتيادي وهذا ما لا توقعت حدوثه ، ثم ساد الصمت وكأن الجميع شعر بما شعرت به ، ثم توجهت جميع الأنظار إلى زاوية واحدة وإلى نفس واحدة لم تتحدث منذ بداية الاجتماع ، عندها علمت ما هو النقص الذي احسست به ... كان ذلك هو " المنشار "





عندها نظر إلينا وقال :



" هل انتهيتم من النقاش ؟ حسناً اعتقد اني اعطيتكم الوقت الكافي بتفوه الهراء واعتقد الآن يتوجب عليكم اعطائي حقي في الكلام وتغلقوا افواهكم ففي النهاية الأمر يعنيني كما يعنيكم .

على رسلكم يا سادة نحن نتحدث عن مستقبلنا ، وانتم تريدوها حياة عادية !؟ إن هذا وهم الإستقرار الذي تتحدثون عنه في حقيقته ما هو إلا حياة الحيوان الذي ليس له هدف في هذه الحياة سوى انه يأكل ويشرب ويجامع وينام !
ماذا تريدون منا أن نصبح ؟ رجال آليون ! نستيقظ ، ندرس ، نعمل ، ننكح ، ننجب !!

هناك ملايين من البشر الذين يعيشون على هذا الحال ، ويموتون على هذا الحال ، فلماذا لا نكون مختلفين خاصة إن كنا ندرك إنها حياة خاطئة وكل شيء فيها خاطيء ، فالنظام السياسي خاطيء ، والنظام الاجتماعي خاطيء ، والنظام الاقتصادي خاطيء ، واغلب الناس يعيشون حياة خاطئة ويفكرون تفكير خاطيء ، هل تريدونا ايضاً أن نعيش بطريقة خاطئة !
بما أن هؤلاء قد جربوا نفس الحياة ، اعتقد علينا أن نجرب حياة مختلفة حينها ستكون الحياة لها طعم بل لها معنى . 

لست مستعداً أن اعيش وأموت مثل هذه الخراف ، أريد أن اعيش مختلفاً حتى إن كانت فرصة العيش ستنقص حتى إن كانت مليئة بالمخاطر ، اعتقد أن هذه الحياة الممتعة لم يكتشفها إلا القليل وهم يحاولون أن يخبرونا عنها ولكننا لا نستطيع أن نستوعب ذلك .

أيها السادة إني لا اخشى الحقيقة ولا أحب أن اجامل ، ولكن الطريق الذي تريدون الوصول إليه طريق ممل ، طريق مليء بالموت والعفن ، ولكن انتم تدركون ان لا خيار أمامكم سوى هذا الطريق حتى لا تفقدوا اماكنكم ، وكان يتوجب عليكم أن تضحوا بأنفسكم لمصلحة مستقبلنا ، اعتقد ان البعض منكم قد انتهي دوره إلى هنا ويتوجب عليه الرحيل ، وبلا ادنى شك فإننا لن ننسى فضله وفي النهاية هو شهيد ضحى من اجلنا جميعاً . ولكن عليه ان ينصرف ويغرب عن وجوهنا إذا اراد لنا الخير ، لن اذكر اسماءً فكل نفس تعرف نفسها اكثر من غيرها . وهذا كل ما احببت قوله "

يقول الراوي :

فصمت الجميع بعد أن انهى كلامه وكنت أنا من ضمنهم ، فلم استطع قول أي شيء ، فانسحب عدد كبير ممن حضر الاجتماع منفذاً لنصيحته خارجاً من حياتنا مضحياً بنفسه ، ولولا أن انهيت الاجتماع لبقيت أنا والمنشار لوحدنا ... وبعد الاجتماع لم اتخذ أي قرار وعدت كما كنت تائه مشتت ، إلا أن هذه المرة فقدَت نفسي الكثير من اجزائها .




الاثنين، 23 سبتمبر، 2013

الاعتصامات هي الحل !



بلا شك انه من الجيد ان يتم نشر الثقافة القانونية وذلك لما له من فائدة تعود إلى المجتمع بتعريفهم على حقوقهم والتزاماتهم وما لهم وما عليهم ، ولكن ما اخشاه هو ان تتحول هذه الثقافة القانونية إلى أداة للاستبداد وسلب حرية الشعوب  وتغفيلهم بمجرد إنها صُبغت بصبغة قانونية ، وتكون هذه الأداة كباقي الأدوات التي تم استغلالها كالدين والتقاليد والأعراف وكالشعارات البرّاقة كالقومية والممانعة التي اذلت الشعوب لعقود .

شاهدت مقطع فيديو على اليوتيوب نُشر بالأمس يتحدث عن الإعتصامات ، واعتقد انه يفترض انه يتحدث عن الإعتصامات في عُمان ، ومن باب الإنصاف والعدل فاتمنى من القاريء الكريم أن يتابع المقطع قبل الشروع في قراءة تعقيبي .


http://www.youtube.com/watch?v=ucpnEYBB4S8&feature=youtu.be



بالطبع هناك بعض النقاط التي نتفق حولها والاخرى نختلف ، وما دفعني للكتابة هو ان النقاط التي اختلف فيها مع  الأفكار التي وردت في مقطع الفيديو أكبر ، خاصة مع كلمة " لكن " التي تلحق جملة " الإعتصام حق مشروع " فيتم بعدها نسف أركان الإعتصام وتزيل منه اهدافه !


١- قانوننا أم قانونهم ؟
" اذا احنا كشعب ما احترمنا قوانيننا "

قبل الدخول في موضوع الإعتصام أرى انه من اللازم التحدث في الجذور ، ويجب ان نطرح السؤال على انفسنا أولاً : ما هو مصدر هذه القوانين ؟

لما كان الهدف من وضع القوانين هي تنظيم المجتمع ، كان لابد ان يتوافق مع الإرادة الشعبية ، وقد اُتخذ من ذلك عدة أساليب جعلت الشعب طرفاً في اصدار القوانين ، كالاستفتاء على القوانين ، أو توكيل نواب عن الشعب يقومون بإصدار التشريعات وغيرها من الأساليب المختلفة ، ولكن هل هذا متحقق فعلاً في عُمان ؟
الإجابة هي : لا . لأن مصدر القوانين هي السلطة ولم يدخل الشعب يوماً طرفاً لإصدار هذه القوانين ، بالتالي فإن السلطة ستراعي مصالحها أولاً ولو كانت على حساب الشعب ، فكيف لي أن اقنع شخصاً بأن يحترم قانوناً فُرض عليه ولم يُسأل عنه يوماً !؟

( تحدثت في مقال سابق عن علاقة القانون بالمجتمع )


٢- الواقع والمثال :

إن التحدث عن المثال منفصلاً عن الواقع يكون بمثابة الهذيان ، ويكون أقرب للخيال من الحقيقة ، وهو سهل نظرياً وصعب عملياً ، وبما ان مقطع الفيديو اهتم بالمثال دون الواقع ، فسوف نتحدث عن الواقع .

أولاً : الإجراءات القانونية :

لاشك أن فكرة ان يسبق الإعتصام اجراءات قانونية ( كما ذُكر في المقطع ولا أدري إن كان ينطبق عليها وصف قانونية ! ) هي فكرة ممتازة ومهمة ومثالية ، ولكن التطبيق له رأي آخر ، ففي البداية من يحدد المهلة القانونية وإن كانت مناسبة أو لا ؟ هذا الفراغ سيسبب مشكلة بالطبع كما حدث في قضية تلوث ولاية لوى المعروفة بقضية غضفان والتي كانت في عام 2010 ، وفي هذا الشهر من عام 2013 تم فض الاعتصامات واعتقال عضوي مجلس الشورى والبلدي و ٨ اشخاص آخرين بالقوة ، فهل مدة ٣ سنوات ليست معقولة أو كافية ؟

الأمر الآخر المتعلق بإعلام الجهات الأمنية بعد استنفاد اجراءات مخاطبة الجهات المعنية ، ما هو مصير هذا الإعتصام ان تم رفضه من الجهات الأمنية ، التي فضت جميع الإعتصامات التي حدثت المشروعة وغير المشروعة ؟


ثانياً : مشروعية الإعتصام :

كما فهمنا أن هناك نوعين من الإعتصام : مشروع وغير مشروع ، وغير المشروع هو الذي سينتهي به المطاف بفضهِ سواء كان بالغاز المسيل للدموع أو العصي وبغض النظر عن النتائج سواء كان الإعتقال أو الإصابات أو حتى إذا وصلت للقتل ! ، ويتبين لنا أنه لم يحدث إعتصام مشروع واحد في عُمان لانها في النهاية فُضت بالقوة ، سواء كان في احتجاجات 2011 " الربيع العماني " أو اعتصامات المعلمين أو اعتصامات دار الأوبرا أو اعتصامات ولاية لوى الأخيرة . 

ولنأخذ مثال على هذه الإعتصامات والتي عُرفت بقضايا الإعابة والتجمهر ، وبما اننا نتحدث عن الإعتصامات نأخذ قضية التجمهر ، حيث قام مجموعة من المواطنين بالتجمع دون عرقله أي طريق .



وبعد ذلك يتم اعتقالهم جميعهم وتقديمهم " لعدالة " المحكمة ، وقاموا بنشر صورهم في وسائل الإعلام المختلفة ، إلى ان وصلت الدعوى إلى المحكمة العليا وتم نقض الحكم وإلغاء الأحكام الصادرة .
فمن الذي يحدد اذا كان الإعتصام مشروعاً أم لا ؟ فهذا فراغ قانوني كبير .


٣- الاعتصامات هي الحل !

وهذه ليست مبالغة إن قلنا إن الإعتصامات هي الحل ، ولكن الحل في ماذا ؟ الحل في الاستماع إلى المطالبات والإصلاح والتغيير ، وخير برهان على ذلك احتجاجات 2011 ، فقد تم الاستجابة للمطالب - وإن لم يكن كلها - ولكن ظهر اثر الإعتصامات وبوضوح ، وبعد تغيير مراكز الوزراء ، رفض المعتصمون ذلك ، وبعدها تم اقتلاع رؤوس الفساد .
وهي وسيلة الشعب الوحيدة " السلمية " التي يستطيع فيها أن يعبر عن رأيه ويقدم مطالبه ، فلمن ترجع الفائدة اذا حاولنا ان نستصغر من هذه الوسيلة وإخترالها في مطالبات مادية ، واتهام المعتصمين بالفوضويين ؟

ختاماً اطرح تساؤلاً ، وهو : ما هي الوسيلة المثلى التي يستطيع الشعب ان يقدم بها مطالبه ؟ ولماذا لم نلمسها في أرض الواقع ؟


الأحد، 15 سبتمبر، 2013

المهدي المنتظر العماني

في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن المهدي المنتظر العُماني الذي يعتبره البعض المخلِّص الذي سيملأ الأرض قسطاً عدلاً ، وانه سيكون حلاً لجميع مشاكلنا ، وانه العلامة الأخيرة الباقية حتى تكتمل أركان المدينة الفاضلة ويتحقق الحلم المنشود بـ " تثبيت حكم ديمقراطي عادل " كما قال السلطان قابوس في خطاب العيد الوطني الأول .
هكذا يتحدث البعض عن منصب رئيس الوزراء الذي ظل شاغراً لسنوات عديدة ، وان لابد لهذه المنصب أن يُفعّل مرة أخرى وبنفس الطريقة السابقة وعلى نفس النسق ، فالمهم في الأمر وجود هذا المهدي .






في الحقيقة ان هذه الرؤية المهداوية لمنصب رئيس الوزراء هي نظرة قاصرة ، فصاحبها الذي يهمه فقط وجود هذا المنصب ويظن انه وبشكل تلقائي ستُسد كل الفجوات وتكتمل الأركان وترقع العلل إما انه يهتم بالشكل دون المضمون أو انه غفلَ أو تغافل عن أمور اخرى من شأنها ان تجعل من هذا المهدي إلى دجال ومن أمل إلى خيبة .



- السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية :



إن وجود منصب رئيس الوزراء في هذا التوقيت وهذا الوضع غير مناسب ابداً ، وبالتأكيد ليس هو الحل ، وفي ظل عدم اتزان كفتي السلطة التنفيذية والتشريعية ،  فسيوسع الفارق بين السلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية المتمثل في مجلس الشورى الذي كل يوم يثبت انه لا يستطيع ان يعدّل قانون فضلاً ان يُشرع ، ولا يستطيع ان يراقب فضلاً ان يُصدر قرار بحق مسئول ( ولقد بينت هذا في مقال سابق مجلس الشورى ليس كما تروجون ، ولن نكرر فيه الكلام ) 

والاعتقاد بأن رئيس الوزراء سيمثل أمام مجلس الشورى هو ضرب من ضروب الخيال ، فإذا كان مجلس الشورى لا يستطيع استجواب وزير لوزارة سيادية ، فما بالك برئيس وزراء ؟

إن هذا الحماس المبالغ فيه الذي ينقصه التفكر قليلاً ظهر بعد ان تبين ان التعديلات الي لحقت احتجاجات 2011 كانت صوّرية اكثر من انها اتت لتعالج المشكلات ، فبعد ان سرت قصة ان مجلس الشورى اصبح مجلس تشريعي ورقابي وظل الحال كما هو عليه ، قمنا بالبحث عن اشياء آخرى إلى ان وصلنا لمنصب رئيس الوزراء .

وفي الحقيقة أن المشكلة كانت وما زالت كامنة في نصوص النظام الأساسي للدولة - حتى بعد التعديلات الأخيرة - المتمثلة في المواد المتعلقة باختصاصات مجلس الشورى .

ان منصب رئيس الوزراء سيكون مهم عندما يكون هناك سلطة تشريعية ورقابية حقيقية وفاعلة ، ولا يمكن ان يحدث هذا إلا بعد تعديلات في النظام الأساسي يعطيه هذه الصلاحيات ، ثم تعديل المادة ( ٤٨ ) وجعل تعيين الرئيس اجبارياً بدلاً من ان يكون اختيارياً ، كما تكون اختصاصاته فعليه يتحمل بذلك مسئولية اخطاءه وقصوره ، ويكون رئيس الوزراء والوزراء محاسبون أمام المجلس  ، وبهذه الحالة ستكون كفه السلطة التنفيذية والتشريعية متوازنة .

أما المطالبة برئيس وزراء دون اجراء تعديلات على النظام الأساسي وبهذا الوضع والتعويل على الصدف والحظ على اصلاح الأمور فهو يزيد الطين بللاً .




الثلاثاء، 16 يوليو، 2013

التجربة الإستبدادية في دول الخليج العربي



إني اتعجب من كثرة الكتب والأبحاث والدراسات التي تتحدث عن التجربة الديمقراطية في دول الخليج العربي بينما نحن غارقين في الإستبداد ، ولا اعتقد إننا ذُقنا طعم الديمقراطية مرة . ولا ننكر وجود بعض الممارسات الديمقراطية المعاقة ، كوجود مجالس برلمانية منتخبة بدون صلاحيات ، الهدف منها الضحك على الشعوب فإن لم يكن فإخراسها .

قليل ما نجد من يتحدث عن التجربة الإستبدادية في دول الخليج العربي ، مع أن أغلب تاريخنا إستبداد بإمتياز . فهل سلب الإستبداد عقول الكُتّاب الخليجيون وأعمى بصائرهم وجعلهم يرون الديمقراطية في كل شيء حتى القبليّة ؟

لسنا بحاجة إلى نبش التاريخ لرؤية ومعرفة هذه التجربة ، فيكفي لكي تتأملها أن تملك عَين واحدة ، وأُذن واحدة ، ونصف عقل . أما إن كنت تملك عينان وأُذنان وعقل فالأمور ستكون ميسره .





إن ما يميز إستبداد دول الخليج هو أن الإستبداد متحد ومتآزر ، وعلى اثره تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي ، ولأكثر من 30 سنة لم يتفق حكام دول الأعضاء على شيء سوى قمع شعوبهم فهم متفقين عليه بالإجماع . ففي كل اجتماع يخرج المجلس بإتفاقيات أمنية فيما بينها ، وبعد فترة وبالصدفة تلقي القوات الأمنية على مجموعة إرهابية سرية تهدف إلى إشعال الفتنة أو زعزعة الأمن وإستقراره .. الخ
وفي الحقيقة ما هو إلّا قالب جاهز لخلق وهم بين المجتمع بوجود مجموعة ربما تكون إرهابية أو إخوانية أو صفوية حتى يعشش هذا الوهم في أذهان الناس ، بعدها عندما يقوم فرد من الشعب بالمطالبة بأبسط حقوقه المسلوبة تقوم الأجهزة الأمنية بنسبهِ إلى إحدى هذه الجماعات ، والتي أخذت فكراً غير مقبولاً بين الناس ، وتجد السلطات حينها مبرراً لمحاكمة وحبس هذا الفرد المسكين .
ولكن من المكابرة أن ننكر وجود أيد عابثة تريد زعزعة أمن دولة من دول الخليج ، فهذه المجموعات والتنظيمات موجودة وحقيقية ، ولكن فيما بين دول الخليج نفسها ،  كخلية التجسس الإمارتية التي كانت تهدف إلى تقسيم سلطنة عُمان ، ولا غرابة .. فالإستبداد لا دين ولا مذهب ولا أخلاق له .

إن أبرز تجليات الإستبداد التي شهدناها في دول الخليج العربي كانت وقت وصول رياح الربيع العربي إلى دول الخليج ، ولكن ولأن الاستبداد متوغل في المجتمع الخليجي ومتحكم في افكار الفرد منذ ولادته ، مسيطر على الإعلام وما يود توصيله ، مختار للمناهج الدراسية وما يود تلقينها ، موجه الأجهزة الأمنية فوق رأسه ، فلم يؤتي الربيع الخليجي ثماره .

عند بداية المطالب كشّر الإستبداد عن أنياب قوّتهِ  ، لأنه كان متخوّف من إحتمالية زواله ، ففي سلطنة عُمان مثلاً ، قُتل شابان برصاص الأمن ، بالإضافة إلى الإصابات جراء الضرب بالعصي ، كما أن الإعتصامات انهيت بالقوة من جانب الأمن . ثم تعامل بالمثل مع أي اعتصام ، ولم يفرق بين الرجل أو المرأة ، الشاب أو المسن ، المعلم أو الطبيب ، فالأمن لا يجيد سوى لغة الغاز والعصى .

أما في السعودية ولشدة درجة الإستبداد لم يصلنا الكثير مما حدث بشكل دقيق ، ولكن نعلم أن المطالبين بحقوقهم قد تم مواجهتهم بالقوة دون تمييز كذلك .

أما في البحرين فكان الوضع مختلف تماماً لأن الشعب كان قريب من النجاح ، لأن أغلب الشعب معارض بشكل صريح ، فلو أُسند القرار إليه سيفقد مجلس الإستبداد الخليجي عضواً من اعضائه ، وبنجاح الشعب البحريني ستنتقل العدوى وبقوة إلى دول الجوار ، فكان لابد من التصدي لهم بأي فكرة كانت ، ولأن أغلب الشعب البحريني من الطائفة الشيعية قيل أن هناك أجندات خارجية تدعمهم من إيران ، فيتطلب الأمر تدخل قوات الدرع الخليجي ، وبالفعل تدخلت قوات الدرع وانهت الإعتصامات على نحو تم رسمه وتخطيطه .

أما في الكويت فكانت المطالبات بتعديلات دستورية ، لأن هناك إشكالية يعانون منها إلى الآن ، وهي ان الكويت نظامها السياسي " ملكية دستورية " ولكن ما زال الحاكم مقدس ، يملك ويحكم ، يُشكِل ويُحِل ، وفي النهاية كذلك تم إنهاء المسيرات بالقوة ولم تتحقق مطالبهم .

أما في الإمارات وقطر كانت بعيدة بعض الشيء من هذه الأحداث وإن كان هناك القليل منها ولكن بدون اثر ، فالوضع مختلف لأسباب معروفة ، وذلك بسبب عدد المواطنين والرفاهة المعيشية .

بعد هذه الأحداث قامت دول الإستبداد الخليجي بإحكام القبضة فقامت بموجة إعتقالات متهمة المواطنين فيها بالتجمهر أو الإعابة أو الإنخراط في جماعات إرهابية ، وقامت بمحاكمتهم لفترة طويلة ، فأخذ بعضهم البراءة والآخرون ما زالوا يقضون فترة حياتهم في السجون .


التجلي الأخير لهذا الإستبداد والحاضر هو ما صاحب الأحداث الأخيرة في مصر ، فبعد الإنقلاب العسكري قامت السعودية والإمارات بمباركة هذا الإنقلاب بارسال رسائل تهنئة ، ومن ثم ارسال التبرعات فالسعودية تتبرع بـ 8 مليار دولار
والإمارات بـ 4 مليار بالإضافة إلى شحنة من " الغاز " و " السولار " والكويت تتبرع بـ 3 مليار ، بينما سلطنة عُمان هي من تتكفل بصيانة القصور الرئاسية سنوياً ، وبهذا وبقدرة قادر تنتهي المشاكل الإقتصادية في مصر .
 وفي نفس الوقت الذي تبارك فيه الدول الإنقلاب ، في الإمارات تتم محاكمة 94 مواطناً بتهمة قلب نظام الحكم ، والسعودية اشترت العلماء ليصدروا فتاوي عدم الخروج عن الحاكم ،   وفي الكويت تم قمع  الشعب المطالب بتعديل نص دستوري .
15 مليار قامت دول الاستبداد بانفاقها لمصر بعد الإنقلاب وهنا يمكنك أن تطرح عشرات الاسئلة التعجبية ، فلماذا لم تنفقها في آيام النظام الشرعي المنتخب ؟ لماذا لم نرى هذا التبرع لشعوب هم أكثر حاجة من أمتنا .. فلسطين ؟ اللاجئين السورين ؟ ما هي مصدر هذه الأموال ؟ جيوب الحكام أم ظهر الشعب الكادح ؟
بلا شك أن المال يلعب دور كبير في استمرارية الإستبداد وإنعاشه بل هو المحرك له ، حاله حال البنزين للسيارة ، ووجهت دول الإستبداد رسالة واضحة المعالم وهي أن بالمال بإمكانها أن تتلاعب بسياسات دول وذلك عن طريق التلاعب بإقتصادها ، وأن من يعكر صفوها بإمكانها إزاحته ولو بعد حين ، وكما أن استبدادها متوغل في الداخل بإمكانه أن يؤثر في الخارج كذلك .
وكما أنها بعثت رسالة إلى شعوبها وهي أن التجربة الديمقراطية ليست بالضرورة مناسبة خاصة للعرب وشعب الخليج ، وكما أنه يولد الفوضى والعبث وعدم الإستقرار ، وأن العرب ليسوا مستعدين بعد للتجربة الديمقراطية وعليهم في هذا الوقت إصلاح انفسهم ، فمن الأفضل البقاء على العلاقة الحالية بين الحكام والمحكومين ، كعلاقة الراعي بخرافهِ . 

رغم أن التجربة الإستبدادية عاشت قرون طويلة سواء في العالم العربي أو الإسلامي ، إلّا إن دوام الحال من المحال ، ولابد يوماً للقيد أن ينكسر ، ودول الخليج العربي ليست بعيدة عن هذه المتغيرات ، إن كسر هذا القيد مرهون بالشعب وحده ، وذلك عندما يعلم الشعب الخليجي السبب الحقيقي الذي اوصله بهذه الحال ، وقد تأخر عن معاصرة زمانه ، والسبب الحقيقي وراء كل ذلك هو الإستبداد ، فالثورة لأسباب مادية لن تجدي نفعاً لأنه لم يتوصل بعد للسبب الحقيقي ، وكما إن هذا السبب بالإمكان أن يسد مؤقتاً ، ثم يعود الحال على ما هو عليه ، فحتى إذا ما ثار الشعب بسبب الإستبداد لن تنتهي هذه التجربة المأساوية ، وكما يقول عبد الرحمن الكواكبي : " الأمة التي لا يشعر كلها أو أغلبها بآلام الإستبداد لا تستحق الحرية " .

الأربعاء، 19 يونيو، 2013

ما الفائدة


رغم أن تراثنا وأدبياتنا تقضي بعدم الحكم على ظواهر الأشياء ، وعدم اغترارنا بالشكل وعدم التمسك بالقشور ، وفي المقابل يدعونا إلى التعرف على الجوهر والتمسك باللب والاهتمام بالباطن والنظر في مضمون الأشياء ، إلّا إننا لم نطبق هذه النصائح ، أو طبقناها في مجال دون آخر ، فالحال الذي يُغلب على أكثر الناس الاهتمام بالظاهر دون الباطن والشكل دون المضمون والقشور دون اللب .

فأتسائل عن فائدة بعض الأشياء الموجودة الجميلة شكلاً ، القبيحة مضموناً ، وربما يتشدق الناس بها وبوجودها ، وربما يسخر الناس من بعضهم البعض بها " نحن نملك وانتم لا تملكون "
فوجود الشيء لا يعني دائماً انه حقق هدف وغاية وجودهِ ، فربما كان شكلاً يحجب سوءه شيئاً آخر ، أو ملهاه يلتهي الناس بها لعدم الالتفات إلى شيء أهم ، وهكذا .




فما الفائدة : من وجود دستور وضِع للشعب ولم يسأل عنه مرة ؟ ما فائدته اذا فُرض عليهم واكرهوا عليه ؟ ما فائدته اذا كان لا يحمي حقوقهم ولا حرياتهم ؟ بل وما فائدته اذا كان هناك من يستطيع ان يضرب بأحكامه عرض الحائط متى شاء ؟ ما الفائدة من دستور اذا كان هناك اشخاص فوقه ولا تسري عليهم أحكامه وتتبدل أحكامه لإرضائهم ؟ ما الفائدة اذا كان وسيلة لإسكات الشعوب وتقييدهم ؟


وما الفائدة : من برلمان صوّري ؟ ما الفائدة إن كان لا يملك صلاحيات ؟ وما الفائدة إن كان لا يستطيع أن يحاسب المقصرين ويحقق مع المسئوليين ؟ ما الفائدة اذا اكتشف اخطاء الحكومة والوزير لا يستطيع سحب ثقته ؟ ما الفائدة إن كان لا يستطيع أن يُشرع قانوناً باستقلالية ؟ ما الفائدة اذا كان العضو منعزلاً لا يعلم ما هي أحوال الشعب ؟ بل ما الفائدة منه اذا كان لا يعلم يقرأ أو يكتب بل ولا يعلم ما الحاصل في الدنيا ؟ ما الفائدة من المناقشات التي تجري في البرلمان وليس بإمكانهم إتخاذ قرار ؟ ما فائدة التوصية وتقديم المرئيات التي لا تكون ملزمة ؟ وما الفائدة من برلمان يُحل برأي منفرد ؟


ما الفائدة : من دين الدولة اذا كان وسيلة لإذلال الشعوب ؟ اذا كان يصنع آلهة ؟ اذا كان وسيلة لقتل أو حبس المخالف ؟ اذا كان يترك الشريف يسرق ، والضعيف يقيم عليه الحد ؟ 
ما فائدة دين الدولة اذا كان يظلم ويقهر ويستعبد الشعوب ؟

ما الفائدة : من العلم والثقافة والأدب والشهادة ، وحرف الدال الذي يسبق الأسم ، إن كانت تفضي لأن يقف الشخص بجانب الديكتاتور للحظة ؟


وما الفائدة من حاكم لم يقل له الشعب يوماً : احكم .. 


الخميس، 9 مايو، 2013

غيلان الدمشقي .. ضحية الأنظمة الإستبدادية



مقدمة :



لاشك أن الكثير قد عانا من الأنظمة الإستبدادية سواء في تاريخنا المليء بالإستبداد أو زمننا المعاصر الذي لا يختلف عن تاريخنا . ونجد أن الأساليب ما زالت على ما هي ، فنجد كثيراً اليوم مسألة تخوين الشخص واتهامه بأنه يملك أفكار يقصد بها تفريق الأمة ، ومسألة تكفيره ليست ببعيدة حتى يتم تصفيته بطريقة توهم الناس على انها أوامر الدين ، وفي الحقيقة ما هو إلّا رجل أراد الإصلاح في زمن الفساد بالتالي يشكل خطر على السلطة اذا ما أيقظ الناس من غفلتهم .


لماذا غيلان الدمشقي ؟


اخترت هذه الشخصية لانه مثل شخصيات كثيرة بيننا اليوم نحن بحاجة اليها ولكن التاريخ لم ينصفها ، واعني بالتحديد علماء التاريخ ، فقد استطاع بني أمية من طمس أي معارض فقد شوهوا صورته ، وقتلوه ودفنوا معه ظله ، فلم يصلنا من غيلان الدمشقي إلّا القليل .


نسبه وحياته وعلمه :






هو غيلان بن يونس ويقال ابن مسلم أو أبو مروان مولى عثمان بن عفان (١) ولا يُعلم سنة ميلاده ، واُختلف في تاريخ وفاته فقيل انها بعد سنة ١٠٥ هـ في عهد هشام بن عبد الملك . اخذ غيلان مذهبه - ولنا في مذهبه وقفه - من الحسن بن محمد بن الحنيفة بن علي بن أبي طالب (٣)

اشتهر غيلان الدمشقي بالوعظ والخطابة ويروى عنه انه " دخل غيلان يوما على عمر بن عبد العزيز فرآه أصفر الوجه فقال له عمر يا أبا مروان ما لي أراك أصفر الوجه قال يا أمير المؤمنين أمراض وأحزان قال لتصدقني قال غيلان يا أمير المؤمنين ذقت حلو الدنيا فوجدته مرا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت له نهاري وكل ذلك حقير في جنب ثواب الله وعقابه فقال رجل ممن كان في المجلس ما سمعت بأبلغ من هذا الكلام ولا أنفع منه لسامعه فأنى أوتيت هذا العلم قال غيلان إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تركنا العمل بما علمنا ولو أننا عملنا بما علمنا لأورثنا سقما لا تقوم له أبداننا " (٤)

ومن كلام غيلان: " لا تكن كعلماء زمن الهرج إن وُعظوا انفوا، وإن وعظو عنفوا " (٥) فيتضح لنا الزمن الذي عاشه غيلان الدمشقي ، في زمن انتشر فيه علماء السلاطين ، الذين شرعنوا أي شيء يخدم السلاطين الظملة بأسم الدين .

" وله رسائل، قال ابن النديم إنها في نحو ألفي ورقة " (٦) لم تصلنا شيء منها ، فقد استطاع بنو أمية محو هذه الشخصية وكأنه لم يكن موجود قط ، فقد دفنوه بكل ما تحملها الكلمة من معنى .


مذهب غيلان الدمشقي :

يُنسب مذهب القدرية إليه فقد كان ثاني شخص يقول بالقدر بعد معبد الجهني البصري ، ويسميه بعض المؤرخين غيلان القدري نسبه الى القدرية ، والقدرية يرون " إن الباري تعالى حكيم عارف ، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر ، ويحتم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليهم ، فالعبد هو الفاعل للخير والشر ، والإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، وهو المجازى على فعله ، والرب تعالى اقدره على ذلك كله .. " (٧) ويستدلون على ذلك بآيات منها قوله : " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " (٨)

وجاء هذا الفكر لمواجهة فكر آخر وهو الجبرية الذي روّج له بني أمية لشرعنه أفعالهم بالقول ان الافعال مخلوقة ومحتمة ومجبور على العبد ان يفعلها ، بالتالي لا يمكنك ان تعترض على ما فعل آبائنا او ما سنفعله بك فكله من عند الله ومكتوب في اللوح المحفوظ ولا تبديل له .

إن فكر الجبر اضعف المسلمين واصابهم باليأس فتركوا الحكام يفعلون ما يريدون وقد حمى هذا الفكر علماء السلاطين ، إلّا ان غيلان الدمشقي لم يرضى بهذا الحال وأخذ يدعوا بمذهبه مما شكل خطراً على بني أمية فخططوا على التخلص منه .

فلم يسلم غيلان الدمشقي من التكفير فجرأه بني أمية تتجاوز الكذب على رسول الله ، فقد شاعت احاديث مثل : " يكون في أمتي رجلان أحدهما وهب يهب الله له الحكمة والآخر غيلان فتنته على هذه الأمة أشد من فتنة الشيطان " (٩) و " يكون في أمتي رجل يقال له غيلان هو أضر على أمتي من إبليس " (١٠) وغيرها من الاحاديث التي نسبت الى الرسول بهتاناً وزوراً .

ثم بدأت مرحلة التخوين والتشكيك في دينه واخلاقه ، تارة بأنه قبطي وتارة اخرى انه اخذ العلم من كذاب وتاره انه رقاصاً ، وذلك في رُويّ ان " خالد بن اللجلاج يقول ويلك يا غيلان ألم تكن زفانا ويلك يا غيلان ألم تكن قبطيا وأسلمت ويلك يا غيلان ألم أجدك في شبيبتك وأنت ترامي النساء بالتفاح في شهر رمضان ثم صرت حارسا تخدم امرأة حارث الكذاب وتزعم أنها أم المؤمنين ثم تحولت من ذلك فصرت قدريا زنديقا " (١١)


وفاته :

بعد ان انتهت الطبخة التي اُعدت ، أمر الملك الأموي هشام بن عبد الملك باحضاره ، واتهمه بالخوض في مسألة القدر، ولكي يشرعن قتله احضر الاوزاعي ليناظره ، فعندما انتهت المناظرة افتى الاوزاعي بقتله ! منتهجاً بذلك منهج فرعون عندما قال : " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ " (١٢)

ان قصة المناظرة والتي ذكرها المؤرخون أي كانت لا تنسلك في ذهن عاقل ، ففي رواية يطلب غيلان الدمشقي ان اذا تغلب عليه أحد في المناظره تضرب عنقه وتظهره انه في موقف ضعيف الحجة ، أي كان فقد حصل هشام بن عبد الملك على ما يريد فصُلب على باب كيسان بدمشق وتم قطع يده " فمر به رجل والذباب على يده فقال له يا غيلان هذا قضاء وقدر قال كذبت لعمر الله ما هذا قضاء ولا قدر " (١٣) وفي هذه الرواية يتضح لنا معنى القضاء والقدر الذي يروج له بني أمية وهو ما وقف غيلان الدمشقي منه .

بعد ذلك تم تعذيبه بقطع كلتا يديه ورجليه ، فما زال يخطب بالناس وهو مصلوب ، فخاف هشام بن عبد الملك ان يؤثر على الناس فأمر بقطع لسانه فتوفي بعدها رحمه الله عليه .

ويتضح لنا من تعذيب غيلان الدمشقي ان المسألة لم تكن خوف على الدين بل انها خوف من الكرسي فلا يوجد دين على وجه الأرض يقول بقطع يدي ورجل المخالف وصلبه !

ان الطريقة التي يسلكها هشام بن عبد الملك والاوزاعي هي نفس المسلك الذي يُسلك اليوم في مواجهة الطريق الذي سلكه غيلان الدمشقي ، ولعلك تجد اليوم ان التخوين والتشكيك في دين العباد واخلاقهم منتشر ، وفتاوى التكفير تصدر بالمجان ، وقضايا الاعابة غاصة في المحاكم ، فاحذر ان تكون كرجاء بن حيوة   الذي قال يوم وفاة غيلان الدمشقي : " قتله أفضل من قتل ألفين من الروم " (١٤) فانك لا تعلم متى هو دورك .

هكذا ضحى غيلان الدمشقي بحياته في سبيل هذه الأمة التي ما زالت لا تتعلم من تاريخها .



----------------

١- تاريخ دمشق لابن عساكر ج ٤٨ ص ١٨٦ بترتيب المكتبة الشاملة
٢- الأعلام للزركلي ج ٥ ص ١٢٤ بترتيب المكتبة الشاملة
٣- مسلمون ثوار للدكتور محمد عمارة ص ١٤١ دار الشروق
٤- مصدر سابق تاريخ دمشق لابن عساكر
٥- مصدر سابق الأعلام للزركلي
٦- مصدر سابق
٧ - الملل والنحل للشهرستاني ج ١ ص ٦٨ المكتبة التوفيقة
٨- سورة الإنسان الآية ٣
٩- مصدر سابق تاريخ دمشق لابن عساكر
١٠- مصدر سابق
١١- مصدر سابق
١٢- سورة غافر الآية ٢٦
١٣- مصدر سابق تاريخ دمشق لابن عساكر
١٤- لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج ٤ ص ٤٢٤ بترتيب المكتبة الشاملة








الاثنين، 1 أبريل، 2013

علاقة القانون بالمجتمع







جاء في كتاب تاريخ النظم القانونية للدكتور محمد حسين العبارة التالية : " يوجد ارتباط وثيق بين القانون والمجتمع ... ويظل القانون متأثراً بالمجتمع الذي نبت فيه وكذلك يؤثر القانون في المجتمع الذي يحكمه فالعلاقة بين المجتمع والقانون علاقة تأثر  وتأثير "


لاشك أن هذه العبارة صحيحة بعمومها والأثر على ذلك واضح ، ولا اعتقد أن احد يختلف في هذه النقطة ، ولكن السؤال الأهم هنا أيهما يكون وضعه انسب ؟


أن يكون القانون متأثراً بالمجتمع ، أي إن القانون يكون متوافق مع المجتمع وفي هذه الحالة يستمد القانون نصوصه من الحالة الواقعية للمجتمع ومن دينه وأعرافه وعاداته وتقاليده ؟
أم أن يكون القانون هو المؤثر على المجتمع ، أي انه في هذه الحالة كأنه يكون مفروض عليهم وقد لا توافق نصوصه دينه وأعرافه ؟


نرى أن الحالة الأولي هي الأنسب ، لان في حالة أن القانون يكون متأثراً بالمجتمع يكون للقانون هيبة ويحترمه أفراد المجتمع لأنه يعبر عنهم وعن سلوكياتهم بخلاف الحالة الثانية عندما يكون القانون هو في مركز المؤثر وكأنه قانون دخيل مفروض عليهم يفقد مصداقيته في نظرة المجتمع .


لذا نجد أحيانا أن أفراد المجتمع قد يتعاملون مع بعضهم البعض دون وجود قانون منصوص عليه ، وإنما يكون تعاملهم عن طريق الأعراف كتعامل الناس مع بعضهم قبل عصر التدوين ، فالقانون العرفي هو المصدر الأم وسابق القانون المكتوب ، كذلك نرى في يومنا الحالي بعض الدول التي لا تملك دستور مكتوب كبريطانيا ، حيث أن الدستور عرفي . كذلك يعد العرف في اغلب الدول هو المصدر الثاني للتشريع .


ولكن الكاتب لم يتعرض لمعيار التفرقة بين القانون المؤثر والقانون المتأثر ، ومن وجهة نظري المتواضعة أن معيار التفرقة هو الجهة التي تصدر القانون .


فإذا كان الشعب هو مصدر القانون كأن يكون القانون عرفياً غير مدون أو تم الاستفتاء على القانون من قبل الشعب أو أن الشعب قد وكّل نواب ينوبوا عنهم بإصدار القوانين ( البرلمان ) في هذه الحالة يكون القانون متأثراًِ بالمجتمع مستمد نصوصه منه .


أما إذا كان القانون الصادر من الحاكم برأيه المنفرد أو من الحكومة وأجهزتها وهيئاتها دون تدخل الشعب أو من ينوب عنهم ، في هذه الحالة يعتبر القانون مؤثر يُفرض على المجتمع سواء كان يوافق دينه وأعرافه أم لم يوافق .


وسوف أتناول في هذا المقال المتواضع بعض الأمثلة علي القوانين العمانية ونرى إن كانت متأثرة أم مؤثرة ، وسوف أتناول ثلاثة قوانين وهي : النظام الأساسي للدولة ( الدستور ) وقانون الجزاء العماني ، وقانون الأحوال الشخصية العماني .



أولاً : النظام الأساسي للدولة :


وهو دستور سلطنة عمان والقانون الذي يسمو على بقية القانونين ، صدر النظام الأساسي للدولة عام 1996 عن طريق المنحة . ودستور المنحة هو الدستور الذي يصدره الحاكم بإرادته المنفردة دون تدخل الشعب أو يكون طرف فيه ، أي أن القانون يصدره الحاكم ويفرض على الشعب دون تدخل منه ، بالتالي يكون النظام الأساسي للدولة هو المؤثر .
وقد يُطرح تساؤل : هل يتدخل الشعب في إصدار الدستور ؟
والإجابة على ذلك : نعم ، حيث هناك طرق يكون الشعب طرف في إصدار الدستور ، كالدستور التعاقدي ، أو أن يكون حق خالصاً للشعب وحده ، كطريقة الجمعية التأسيسية أو الاستفتاء الدستوري 



ثانياً : قانون الجزاء العماني :


صدر قانون الجزاء العماني عام 1974 وفي ذلك الوقت لم يكن هناك مجلس شورى ولا مجلس استشاري ، فالقانون صادر من الجهة التنفيذية وبصيغة أخرى من الحكومة .


أما قانون الجزاء العماني فهو بنكهة لاتينية ، نستطيع أن نقول انه اخذ من القانون المصري المأخوذ من القانون الفرنسي المأخوذ من القانون الروماني ! - وسأتحدث عن هذه النقطة بشكل موسع إن كان لي من العمر بقية -



وعندما نعلم هذه المعلومة ينكشف لنا المجال لتفسير بعض القوانين التي نراها غريبة علي مجتمعاتنا ، وسأضرب مثال على جريمة الزنا .


تنص المادة 227 من قانون الجزاء العماني : " لا تقام الدعوى الجزائية على الزاني رجلاً كان أم امرأة إلا بناء على شكوى الزوج أو ولي الأمر .... "


فالأخ والعم والخال وكل المقربين باختلاف الدرجات لا يحق لهم إقامة الدعوى ، والأعجب من ذلك قانون العقوبات المصري الذي يشترط أن يكون الوطء في فراش الزوجية أما في غيره من الأماكن فلا بأس !


والعلة في هذا الأمر إن هذه القوانين مستوردة نقلناها وترجمناها من ثقافة شعوب لديها ما يسمى " الحرية الجنسية " وهذا الأمر مرفوض عندنا في شعب محافظ متمسك بدينه وأعرافه وعاداته وتقاليده ، فهذه إحدى المشاكل التي يكون فيها القانون هو المؤثر لا المتأثر .




ثالثاً : قانون الأحوال الشخصية العماني :


صدر قانون الأحوال الشخصية العماني عام 1974 ويهتم هذا القانون بموضوعات الزواج والنسب والحضانة والطلاق والخلع والوصاية وغيرها من هذه الموضوعات .

استطيع القول أن هذا القانون تأثر تأثراً شديداً بالمجتمع ، ويعود ذلك لعدة أسباب :

١- انه يستمد نصوصه من الشريعة الإسلامية :
بما أن سلطنة عمان دولة عربية إسلامية واغلب المجتمع - إن لم يكن كله - معتنقين الإسلام ، تأثر هذا القانون بدين المجتمع وجعله يستمد نصوصه من الشريعة الإسلامية ، مع تعدد المدارس الفقهية إلا انه لم يلتزم بمذهب معين وإنما اخذ  بأقوال المذاهب المشهورة  كالمذهب الاباضي والحنفي والشافعي والمالكي 
والحنبلي وحكم بينها


٢- فتح مجال كبير للعرف ، فتذيل الكثير من القوانين بعبارات " ما لم يحكم العرف بخلاف ذلك " أو " يرجع التقرير للدين والعرف " كذلك أعطى للقاضي سلطة تقديرية ولكن قبلها يجب أن يكون عالماً بالعرف ليكون الحكم مناسباً ومرضياً .



٣- الكثير من هذه الموضوعات تقوم على عقد واتفاق ، ،كما نعلم أن " العقد شريعة المتعاقدين " فتكون الاتفاقات مبنية على الأعراف وعادات وتقاليد المجتمع .



نختم :
بعد أن علمنا أن علاقة القانون بالمجتمع تأثر وتأثير ، وقررنا أن الأنسب عندما يكون متأثراً لأنه يعبر عن المجتمع ، وجب علينا أن نعلم انه يجب تفصيل القوانين بمقاييس المجتمع بما يناسبه من قياس ، لا نكتفي بالنقل والترجمة وتصبح القوانين فضفاضة أو ضيقة على المجتمع !



أرجو أن أكون قد وفقت ..

الأحد، 3 مارس، 2013

دار الأوبرا مرة اخرى







تحدثت سابقاً عن الفتوى الصادرة من مفتي السلطنة الشيخ الخليلي المتعلقة بدار الأوبرا وتحريم زيارتها , والتي تبعها ردود أفعال مختلفة من قبل الجمهور ما بين مؤيد ومعارض , وكان المقال السابق يذكر أدلة العلماء من يرون جواز الغناء , حتى لا يكون وهم " اجمع العلماء " متعلق في الأذهان .

ولكن الحديث هنا مرة أخرى مختلف عن سابقه , فيه أسلط الضوء على الحادثة الأخيرة والتي لا تخفى على احد حيث انتشرت وتم تداولها في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي بسرعة رهيبة .

تتمثل الحادثة قيام احد أفراد فرقة الجاز الأمريكية  وهو مسلم بتلاوة للقران الكريم أثناء العرض على مسامع الجمهور , كما ذكر في بيان مجلس إدارة دار الأوبرا السلطانية .

هذه الحادثة اتبعها ردود أفعال مختلفة ومتفاوتة قرأنا وسمعنا تنوع في المطالب بشان الحادثة , وعلى كل حال الاختلاف من سمة البشر .

ما أريد الوصول إليه هو إعادة النظر حول القضية مرة أخرى برويّة وتأني والتعامل مع الموضوع بنوع من الهدوء والحكمة , نفصّل الموضوع ولا نأخذه بقالب واحد , نضع النقاط على الحروف , نحدد ما نتفق عليه وما نختلف فيه , وننظر ان كان هناك ما يجمعنا تحت صعيد واحد , ونؤتي كل ذي حق حقه .

( الفعل )
" وفعلت فعلتك التي فعلت " الشعراء \ 19

كما جاء في البيان لإدارة دار الأوبرا , أن المغني قد " تلا " سورة الفاتحة , ولم يذكر إن كانت مصاحبة مع الموسيقى أم لا , ونحسبه كذلك , على كل حال وفي كل الأحوال ما فعله هذا المغني أمر خاطئ , وخاطئ جداً , فالقران الكريم كلام الله المقدس , لا يعلو عليه أي كلام أخر , لا شعراً ولا نثراً " وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو إلا ذكر وقران مبين " فلا يجوز قياسه بأي كلام أخر .

والقران انزله الله للتدبر والتأمل وإعمال العقل والعظة والذكرى , لذا ذكر في غير موضع في القران الكريم متحدثاً فيه عن القران نفسه " أفلا يتدبرون القران " النساء \ 82 " أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها " محمد \ 24 وغيرها من الآيات كثير .

وللقران قدسية كذلك عند المسلمين فلا يجوز روايته ولا قراءته في الخلاء , ويستحب الوضوء قبل قراءته واستقبال القبلة وغيرها من الأعمال التي توضح أن هذا القران مقدس عند المسلمين , فما بالكم بالتغني به !؟ ولم نسمع إلى الآن – والحمد لله – من يقول بأنه جائز وان صاحبه موسيقى وبعض الطبل أو جيتار الكتروني !
فالعقلاء من المسلمين لا يرضون ذلك لقرئانهم أن يصل إلى هذه الدرجة , كما إن تلاوة القران في مكان اعد للاغاني ليس له أي معنى ولا هدف ولا حكمة .

ونخلص إلى ذلك أن الفعل في ذاته خاطئ يضر بمشاعر المسلمين , وبه قد تقوم جريمة يعاقب عليها القانون .


( النية )
" ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم " الأحزاب \ 5

يقول نبي الرحمة : " إنما الأعمال بالنيات " فكل عمل يقوم به الإنسان بإرادته تسبقه نية , وهو القصد والغاية من هذا الفعل , إذا ما أتينا إلى هذه الحادثة والى هذا المغني فانا نجد أن نيته اقرب ما تكون حسنة وليست سيئة وذلك لعدة أمور :

أولا : البيان الذي نشره مجلس إدارة دار الأوبرا حيث ذكر انه يعتقد أن " قراءة القران في دولة إسلامية سيسعد الحضور " و " لم تكن بدافع السخرية أو الاستهزاء وإنما التعبير عن حبه لكونه مسلم "
ثانياً : لا يتصور من يريد أن يستهزأ ويسخر بمشاعر المسلمين أن يفعل فعلته بين يديهم وفي عقر دارهم وموطنهم , فكعادة المستهزئين يختبئون خلف دولتهم باسم الحرية كقضية الرسام الدنماركي والفيلم الذي يجسد النبي محمد .

ثالثاً : أن المغني مسلم كما وضح في البيان ولكن قد يكون جاهلاً بكثير من أمور الدين وذلك نظراً لظروف بيئته , فهو أمريكي وقد لا ينال قدر من المعلومات الدينية , وتختلف النظرة إلى الأمور في تلك الرقعة الجغرافية .

فإذا كانت النية كذلك – ولا يمكننا بأي حال شق صدره لإثبات عكس ذلك – فيعذر عن فعله بعد أن ارتكب الخطأ واقر به واعتذر , فكل ابن ادم خطاء وخير الخطاءين التوابون , وبداية التوبة الندم , والاعتذار قرينة على الندم , فإذا كان الله يعفو ويغفر عن عبادة , فما خطبنا نحن البشر !؟


( لكل فعل ردة فعل )

عند افتتاح دار الأوبرا كانت هناك معارضة لأسباب مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية , وقد يكون السبب الأبرز هو السبب الديني الذي فسر موجه الغبار التي حدثت عند افتتاح الدار بأنها غضب من الله , وما عزز هذا التيار هو فتوى الشيخ الخليلي , وكان حال هذا التيار هو انتظار هفوة وها قد وجدها !
لاشك أن كل مسلم في هذه الأرض غيور على دينه وعلى ربه ورسوله وقرآنه , فكل ذلك مقدس عند المسلمين ولا مزايدة في هذا الأمر .
نتفق على هذا ثم بعدها نختلف في أسلوب معالجة الخطأ , فيرى البعض أن الحل هو علو الصوت حتى يعلم الأخر إن للدين رجال لا يسمحون أن يستهزأ به , وان الساكت عن الحق شيطان اخرس وان يجب علينا الشجب لنبين موقفنا , وان نعمل بقاعدة " اليوم غنى بالقران بكرة مو ؟ " .

بينما يرى الأخر إن علينا معالجة الخطأ بالحكمة والموعظة الحسنة , وان هذا الدين دين تسامح نأخذ بيد من لا يعلم ونعلمه , ولا نثير ضجة حتى لا نوقظ الفتنة .

لما كان هذا التباين في المواقف , وجب أن نعلم أن هذا شيء طبيعي أن يحصل فمن سنن الكون هو اختلاف البشر .
وان الأصل هو حرية الرأي والتعبير , وتنتهي حريتك عندما تبدأ حريات الآخرين , وإذا مارست حريتك في التعبير وجب عليك أن تسمح لمن يختلف معك في الرأي في التعبير عن رأيه , نتحاور ونسمع بعض لنتقارب ولا نقصي الأخر لنتباعد .


نختم :

في الآونة الأخيرة انتشرت رسالة تدعو إلى التظاهر يوم الجمعة عند دار الأوبرا , وأقول : أن من يرى أن هذا هي الطريقة المثلى لحل المشكلة وان اختلفنا معه في الأسلوب فله ذلك , على أن يكون سلمياً ويحمل رسالة معينة , وليس من حق من يخالفهم تخوينهم والتشكيك في نواياهم ووصفهم بمثيري الفتن وان لهم غايات مبطنة لا يحمد عاقبتها إذا ما ظهرت , فالتجمعات السلمية إحدى طرق التعبير عن الرأي وعلينا أن نعتاد على ذلك .
ورغم رسالة الاعتذار التي قدمها مجلس دار الأوبرا عليه أن يكون أكثر دقة في المرات المقبلة وان برر أن ذلك هو " دور ثانوي  " فيجب عليهم معرفة تفاصيل ما ستقوم به أي فرقة ومنعهم من أي دور ثانوي إن كان مثل هذا الدور !



  




الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

ويسألونك عن ولي العهد



لعلك تتساءل من هذا المخلوق ؟ وبعد أن نجيبك انه من سيرث السلطة من بعد الملك الحالي . فتتساءل مرة أخرى ، وما فائدته ؟

لا شك أن ولي العهد يكون في الأنظمة الملكية ، سواء كانت ملكية مقيدة " دستورية " أو ملكية مطلقة - كما هو الحال عندنا -

أما الفائدة من ولي العهد فسيجيبنا على هذا التساؤل معاوية بن أبي سفيان - أول ملك في الإسلام - عندما علل مبايعة ابنه يزيد : " إني خفت أن ادع الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع " (1)

وقد لا يكون الأمر مهماً في حالة الدولة التي تتبنى نظام الملكية المقيدة فالملك فيها مجرد رمز  أو مزهرية - إن صح التعبير - له صلاحيات ضيقة ، فالشخصية المهمة المسائلة في الدولة يكون رئيس الوزراء .
ولكن المشكلة قد تقع في حالة الدولة التي تتبنى نظام ملكي مطلق ، خاصة وان كان مثل ما يقول الكواكبي : " حكومة الفرد المطلق ، الوارث للعرش ، القائد للجيش ، الحائز على السلطة الدينية " (٢) الكل شيء في أي شيء .

أما إذا القينا نظرة حول سلطنة عمان الملكية " المطلقة " نجد أن الحالة التي تتبناها حول قضية ولي العهد نادرة ، حيث انه لا يوجد ولي عهد ولم ينص النظام الأساسي للدولة على ذلك أو كيفية تعينه ، وإنما نص في المادة السادسة أن مجلس الدولة هو من يحدد من تنتقل إليه ولاية الحكم خلال ثلاثة أيام ، فإذا لم يتوصل إلي نتيجة يقوم مجلس الدفاع مع الاشتراك مع رئيسي مجلس الدولة والشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه بتثبيت " من أشار إليه السلطان " في رسالته .

وربما تتساءل لماذا لا يوجد ولي عهد في سلطنة عمان ؟ وما أن تلبث بالتفكير تتساءل مرة أخرى ، أيهما أفضل وجود ولي عهد بارز ومعروف أم ضمير مستتر ؟

في الحقيقة ليس هناك إجابة واضحة وصريحة ، ولكن بالإمكان التوصل إليها ، بالنسبة للسؤال الأول لماذا لا يوجد ولي عهد في عمان ؟

نستطيع أن نقول سبب ذلك هو " الخوف " من شيء لا يستبعد حصوله ، وهو حركة تمرد أو انقلاب ، فبعد أن وصل السلطان قابوس لسدة الحكم امسك بنفسه المناصب المؤثرة ، كرئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة ووزارة الدفاع والخارجية بيده مباشرةً ، ولكنه ليس من المتصور أن يكون حاكماً وولي عهد في نفس الوقت فاستبعد فكرة ولي العهد بحكم قوة وتأثير هذا المنصب ، وان افترضنا أن من سينال هذا المنصب من اقرب المقربين ، فالسلطة المطلقة لا تعرف أخي أو أبي وأمي ، كل امرئ يحاول الوصول اليها باي طريقة ، وان كان المشي على شعرة رفيعة ، والتاريخ يشهد على ما نقول ، فكم من ابن قتل ابيه وكم من اب قتل ابنه وكم من اخ قتل اخيه من اجل السلطة !؟

أو " الخوف " من مبدأ كما تدين تدان وان يعيد التاريخ نفسه ، وهذا ما ورد في الويكيلكس (٣) الذي يتحدث عن ولي العهد لسلطنة عمان " لأنه يعيد إلى المخيلة الطريقة التي تربع عبرها القائد إلى منصبة قبل ٤٠ عاماً " وهو مرتبط بما ذكرناه سابقاً .

نأتي للسؤال الثاني : أيهما أفضل وجود ولي العهد أم عدم وجوده ؟

مع إننا نتكلم عن " بويطل " - إن صح التعبير - في ظل الباطل الأكبر ، واعني الملكية المطلقة ، فالأنسب وجود ولي عهد بارز ومعروف ، لان في ظل وجود السلطة المطلقة والتي تتحكم بزمام كل شيء ثم ستغيب في يوم من الأيام سيخلق هذا الفراغ بلا شك فوضى ، وفوضى كبيرة لا نعلم إلى أين ستقودنا والى أين سنصل .
تصور لو أن هذه السلطة المطلقة عبارة عن عبارة عن مولد كهرباء ، يضيء مدينة بالأنوار والأضواء ، وفي يوم من الأيام تعطل هذا المولد ، النتيجة ستصبح هذه المدينة مظلمة وستعم الفوضى في كل مكان .

بعكس إذا كان هناك ثلاثة مولدات متساوية فإذا تعطل احد المولدات لن تتأثر هذه المدينة  أو اضعف الإيمان إن كان سكان المدينة لا يشعرون بالظلام ولا يستحقون النور ، يكون هناك مولد معروف سابقاً لتفادي اقل قدر من المشاكل .

نختم ، إن وجود ولي عهد ليست قضية تحل مشكلة النظم السياسية لدينا ، وإنما وجب التركيز لشيء يدفعنا للتقدم والرقي سياسياً كمنصب رئيس وزراء مسائل ؟



___________________________________________




١- البداية والنهاية لابن كثير / دار العلم للكتب ج ١١ ص ٣٠٨
٢- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للكواكبي ص ١٣
٣- http://wikileaks.org/cable/2007/12/07MUSCAT1126.html


الاثنين، 28 يناير، 2013

مجلس الشورى ليس كما تروجون

سيمضي ما يقارب عام ونصف بعد المرسوم 99\2011 والذي يقضي بتعديل أحكام النظام الأساسي للدولة , وذلك اثر ضغط شعبي طالب بالإصلاح وردع الفساد .

ركّز هذا المرسوم الصادر يوم 19 أكتوبر 2011 على الباب الخامس من النظام الأساسي للدولة , والذي يتعلق حول مجلس عمان بشقيه مجلس الدولة ومجلس الشورى . ونال هذا المجلس الأخير رصيد من المواد والتعديلات , كون أن مجلس الشورى يمثل الشعب وذلك لان أعضائه منتخبين من قبله , بعكس مجلس الدولة الذي يتم تعيين أعضائه .

استقبل الشعب عامة هذا المرسوم بشيء من التفاؤل فقد زاد عدد المواد المتعلقة بمجلس الشورى , وكما علت الأصوات مستبشرة تنادي بمصطلحات كـ "التشريع " و " الرقابة " , وهذا التفكير هو السائد والذي يصرح به البعض باختلاف مشاربهم واختصاصهم وتوجهاتهم أن مجلس الشورى بعد المرسوم 99\2011 أصبح مجلس تشريعي ورقابي . فهل مجلس الشورى فعلاً مجلس تشريعي ورقابي ؟

للإجابة على هذا السؤال بموضوعية , وترك العاطفة والتبريرات والاستثناءات بعيداً , يجب أولا أن ننظر إلى النصوص على ألا تركز أعيننا على النص وتنسى الواقع, وإلا كان الحكم مبني على الشكل والمظهر فقط , فيجب أن يكون النص والواقع متلازمان في الرؤية , بعد ذلك نحكم هل نمتلك سلطة تشريعية تسن القوانين وتراقب السلطة التنفيذية ؟



مادة (6) من النظام الأساسي للدولة :

جرى تعديل هذه المادة وتم الزج بمجلس الشورى ليقوم " بتثبيت " من ينتقل إليه ولاية الحكم بعد أن يتعذر مجلس العائلة الحاكمة على الاتفاق باختيارسلطان البلاد. ولا ادري ما علاقة مجلس الشورى بقضية التثبيت وما الحكمة من إدخاله في هذا الأمر ! اذ أن السلطان مُختار سلفاً فليس هناك حاجه للاجتهاد أو بذل جهد ,ولا يمكن فهم هذا التدخل على انه بمثابة الرقابة , لان المادة تشير على أن مجلس الدفاع بالاشتراك مع مجلس الشورى ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه جميعهم يقومون " بتثبيت " من اختاره السلطان سلفاً والاسم مدون ومحفوظ في مكانيين مختلفين .




مادة (58) مكرر (19) :

" لجلالة السلطان في الحالات التي يقدرها حل مجلس الشورى والدعوة إلى انتخابات جديدة خلال أربعة أشهر من تاريخ الحل "
لاشك أن هذا حق خالص للسلطان , وهو موجود ومنصوص عليه في دساتير الدول الملكية . المطلقة والمقيدة , العظمى والصغرى , ولكن في المقابل ماذا يمتلك مجلس الشورى من أسلحة ؟ ( واعني هنا اتجاه الوزير أو الوزارة ) لا شيء البتة , حتى إن استجواب الوزير به غموض – كما سأوضح لاحقاً - . صحيح أن بعض الدول تعطي الملك صلاحية في حل المجلس ولكن في المقابل يمنح مجلس الشورى صلاحيات كالاستجواب وحل الثقة وسحبها . في هذه الحالة تغليب واضح للسلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ,وتفقد السلطة بمجموعها توازنها وتجعل السلطة التنفيذية تستأسد على نصيب السلطة .




مادة (58) مكرر (31) :

" تكون جلسات كل من مجلس الدولة ومجلس الشورى علنية ويجوز عقد جلسات غير علنية في الحالات التي تقتضي ذلك بالاتفاق بين مجلس الوزراء وأي من المجلسين"
ومن أثار النقطة السابقة من تغليب السلطة التنفيذية على التشريعية أن الأولى ستكون هي من تتحكم بزمام الأمور وبعيداً عن المراقبة والمحاسبة وهذا ما لاحظناه في ارض الواقع المتمثل في جلسة ميزانية الدولة وجعلها سرية , حيث كان رغبة أعضاء مجلس الشورى جعل الجلسة علنية ولكن مجلس الوزراء كان يريدها سرية لذا قام مجلس الوزراء بتخيير مجلس الشورى : إما أن تكون الجلسة سرية او ان الوزير لن يحضر المناقشة لان القانون لا يلزمه بذلك . وهنا يتضح لنا قوة كل من المجلسين , فمجلس الوزراء (السلطة التنفيذية ) ويقرر ما يريد وما على مجلس الشورى ( السلطة التشريعية ) إلا الإذعان.



مادة (58) مكرر (35) و (38) و (40) و (41) :

وهي المواد التي تتناول اختصاصات المجلس في الجانب التشريعي , ولكن في الحقيقة ليس هناك وجود لتشريع حقيقي وفعلي , تشريع بمعنى سن القوانين باستقلالية , والأمر لا يتعدى أن يكون " مناقشة وإبداء توصيات " وتكون غير ملزمة لمجلس الوزراء " وعلى مجلس الوزراء إخطار المجلسين بما لم يتم الأخذ به من توصياتهما في هذا الشأن مع ذكر الأسباب " كما في المادة (58) مكرر (40)
أو " إبداء مرئيات " كما في المادة (85) مكرر (41)
أما المادة (58) مكرر (35) و (38) فإنها متوقفة على السلطان , كما أنها لم تشير إلى مصير هذه القوانين المرفوعة وتم رفضها من قبل السلطان , ففي الدول ذات البرلمان المختص بالتشريع الفعلي والحقيقي تنص على أن في حالة تم الرفض من قبل الحاكم لإصدار القانون يُعاد إلى المجلس مرة أخرى , فإذا اقره بأغلبية خاصة يستقر قانوناً ويُصدر تلقائياً .



مادة (58) مكرر (43)

" يجوز بناء على طلب موقع من خمسة عشر عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشورى استجواب أي من وزراء الخدمات المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم ... "
للوهلة الأولى تتوهم أن هذه المادة التي تقرر الصلاحيات الرقابية ولكني اتسائل : أين تكمن هذه الرقابة ؟
لم يرد في المادة بصريح العبارة عن الدور الرقابي , وان ذكرت كلمة استجواب, ولكن في الحقيقة هي بعيدة كل البعد عن الدور الرقابي , وتحمل هذه المادة في طياتها الكثير من الغموض .

فأولاً : فيما يتعلق بوزارات الخدمات , ما هي هذه الوزارات ؟
لم يحدد القانون ما هذه الوزارات الخدمية , ولم يحدد كذلك الوزارات التي تقابلها " الوزارات السيادية " !

ثانياً : لماذا استجواب وزراء الخدمات دون غيرهم ؟ أليس الجميع سواسية أمام القانون بحسب المادة (17) من النظام الأساسي للدولة ؟
وان قلنا ان بعض الوزارات تكون بيد السلطان مباشرة مثل وزارة الخارجية والدفاع والمالية لذا تعذر استجواب هذه الوزارات , وماذا عن باقي الوزارات ؟
إن وجود مثل هذا الغموض في النص يؤدي إلى استغلاله وهذا ما حصل عندما طلب مجلس الشورى استجواب وزير النفط بعد إضراب العمال ورد عليهم مجلس الوزراء بان وزارة النفط من الوزارات السيادية , فواعجباً !

ثالثاً : وهنا علينا أن نفرق بين الاستجواب والسؤال , فالسؤال استفهام العضو عن ما يجهله أو أمر غير واضح لديه ويقوم بالرد عليه من قبل الوزير وينتهي بانتهاء الإجابة . أما الاستجواب فهو نوع من المحاسبة والنقد وكما يمكن أن يتحول إلى مناقشة عامة أو أن يقوم المجلس بإصدار قرار بهذا الشأن .

رابعاً : وهو ما يتعلق بالنتيجة , فكما ذكرت  المادة أن النتيجة ترفع إلى السلطان , فالأمرمتعلق به , وكما ذكرت سابقاً أن المجلس لا يملك حل ثقة الوزير أو الوزارة , بالتالي فان المسالة توصل لحد معين ثم تنتهي .


فمجلس الشورى ليس كما تروجون , على أساس انه سلطة تشريعية ورقابية , ويجب أن تكون هكذا النظرة , وان تُسمى المسميات بأسمائها , حتى لا نخلق وهم في الأذهان يعكس على الواقع خلاف ذلك . وان هذه النظرة الوهمية لن تقودنا إلى شيء , فهي لن تقودنا إلى إعطاء المجلس صلاحيات حقيقة وفعلية بديلة عن هذه الصلاحيات الصورية لممارسة سلطتها التشريعية والرقابية , بل سنسلم لهذا الوهم ونقوم بالبحث عن المشكلة في أماكن أخرى , والمشكلة أمام أعيننا .
في المقابل لا أنكر الأطوار التي مر بها مجلس الشورى ,  رغم أن هذا التطور كان بطيئاً ولم يصل بعد إلى مجلس بالإمكان أن نقول انه يشرع ويراقب .