الأحد، 3 مارس 2013

دار الأوبرا مرة اخرى







تحدثت سابقاً عن الفتوى الصادرة من مفتي السلطنة الشيخ الخليلي المتعلقة بدار الأوبرا وتحريم زيارتها , والتي تبعها ردود أفعال مختلفة من قبل الجمهور ما بين مؤيد ومعارض , وكان المقال السابق يذكر أدلة العلماء من يرون جواز الغناء , حتى لا يكون وهم " اجمع العلماء " متعلق في الأذهان .

ولكن الحديث هنا مرة أخرى مختلف عن سابقه , فيه أسلط الضوء على الحادثة الأخيرة والتي لا تخفى على احد حيث انتشرت وتم تداولها في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي بسرعة رهيبة .

تتمثل الحادثة قيام احد أفراد فرقة الجاز الأمريكية  وهو مسلم بتلاوة للقران الكريم أثناء العرض على مسامع الجمهور , كما ذكر في بيان مجلس إدارة دار الأوبرا السلطانية .

هذه الحادثة اتبعها ردود أفعال مختلفة ومتفاوتة قرأنا وسمعنا تنوع في المطالب بشان الحادثة , وعلى كل حال الاختلاف من سمة البشر .

ما أريد الوصول إليه هو إعادة النظر حول القضية مرة أخرى برويّة وتأني والتعامل مع الموضوع بنوع من الهدوء والحكمة , نفصّل الموضوع ولا نأخذه بقالب واحد , نضع النقاط على الحروف , نحدد ما نتفق عليه وما نختلف فيه , وننظر ان كان هناك ما يجمعنا تحت صعيد واحد , ونؤتي كل ذي حق حقه .

( الفعل )
" وفعلت فعلتك التي فعلت " الشعراء \ 19

كما جاء في البيان لإدارة دار الأوبرا , أن المغني قد " تلا " سورة الفاتحة , ولم يذكر إن كانت مصاحبة مع الموسيقى أم لا , ونحسبه كذلك , على كل حال وفي كل الأحوال ما فعله هذا المغني أمر خاطئ , وخاطئ جداً , فالقران الكريم كلام الله المقدس , لا يعلو عليه أي كلام أخر , لا شعراً ولا نثراً " وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو إلا ذكر وقران مبين " فلا يجوز قياسه بأي كلام أخر .

والقران انزله الله للتدبر والتأمل وإعمال العقل والعظة والذكرى , لذا ذكر في غير موضع في القران الكريم متحدثاً فيه عن القران نفسه " أفلا يتدبرون القران " النساء \ 82 " أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها " محمد \ 24 وغيرها من الآيات كثير .

وللقران قدسية كذلك عند المسلمين فلا يجوز روايته ولا قراءته في الخلاء , ويستحب الوضوء قبل قراءته واستقبال القبلة وغيرها من الأعمال التي توضح أن هذا القران مقدس عند المسلمين , فما بالكم بالتغني به !؟ ولم نسمع إلى الآن – والحمد لله – من يقول بأنه جائز وان صاحبه موسيقى وبعض الطبل أو جيتار الكتروني !
فالعقلاء من المسلمين لا يرضون ذلك لقرئانهم أن يصل إلى هذه الدرجة , كما إن تلاوة القران في مكان اعد للاغاني ليس له أي معنى ولا هدف ولا حكمة .

ونخلص إلى ذلك أن الفعل في ذاته خاطئ يضر بمشاعر المسلمين , وبه قد تقوم جريمة يعاقب عليها القانون .


( النية )
" ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم " الأحزاب \ 5

يقول نبي الرحمة : " إنما الأعمال بالنيات " فكل عمل يقوم به الإنسان بإرادته تسبقه نية , وهو القصد والغاية من هذا الفعل , إذا ما أتينا إلى هذه الحادثة والى هذا المغني فانا نجد أن نيته اقرب ما تكون حسنة وليست سيئة وذلك لعدة أمور :

أولا : البيان الذي نشره مجلس إدارة دار الأوبرا حيث ذكر انه يعتقد أن " قراءة القران في دولة إسلامية سيسعد الحضور " و " لم تكن بدافع السخرية أو الاستهزاء وإنما التعبير عن حبه لكونه مسلم "
ثانياً : لا يتصور من يريد أن يستهزأ ويسخر بمشاعر المسلمين أن يفعل فعلته بين يديهم وفي عقر دارهم وموطنهم , فكعادة المستهزئين يختبئون خلف دولتهم باسم الحرية كقضية الرسام الدنماركي والفيلم الذي يجسد النبي محمد .

ثالثاً : أن المغني مسلم كما وضح في البيان ولكن قد يكون جاهلاً بكثير من أمور الدين وذلك نظراً لظروف بيئته , فهو أمريكي وقد لا ينال قدر من المعلومات الدينية , وتختلف النظرة إلى الأمور في تلك الرقعة الجغرافية .

فإذا كانت النية كذلك – ولا يمكننا بأي حال شق صدره لإثبات عكس ذلك – فيعذر عن فعله بعد أن ارتكب الخطأ واقر به واعتذر , فكل ابن ادم خطاء وخير الخطاءين التوابون , وبداية التوبة الندم , والاعتذار قرينة على الندم , فإذا كان الله يعفو ويغفر عن عبادة , فما خطبنا نحن البشر !؟


( لكل فعل ردة فعل )

عند افتتاح دار الأوبرا كانت هناك معارضة لأسباب مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية , وقد يكون السبب الأبرز هو السبب الديني الذي فسر موجه الغبار التي حدثت عند افتتاح الدار بأنها غضب من الله , وما عزز هذا التيار هو فتوى الشيخ الخليلي , وكان حال هذا التيار هو انتظار هفوة وها قد وجدها !
لاشك أن كل مسلم في هذه الأرض غيور على دينه وعلى ربه ورسوله وقرآنه , فكل ذلك مقدس عند المسلمين ولا مزايدة في هذا الأمر .
نتفق على هذا ثم بعدها نختلف في أسلوب معالجة الخطأ , فيرى البعض أن الحل هو علو الصوت حتى يعلم الأخر إن للدين رجال لا يسمحون أن يستهزأ به , وان الساكت عن الحق شيطان اخرس وان يجب علينا الشجب لنبين موقفنا , وان نعمل بقاعدة " اليوم غنى بالقران بكرة مو ؟ " .

بينما يرى الأخر إن علينا معالجة الخطأ بالحكمة والموعظة الحسنة , وان هذا الدين دين تسامح نأخذ بيد من لا يعلم ونعلمه , ولا نثير ضجة حتى لا نوقظ الفتنة .

لما كان هذا التباين في المواقف , وجب أن نعلم أن هذا شيء طبيعي أن يحصل فمن سنن الكون هو اختلاف البشر .
وان الأصل هو حرية الرأي والتعبير , وتنتهي حريتك عندما تبدأ حريات الآخرين , وإذا مارست حريتك في التعبير وجب عليك أن تسمح لمن يختلف معك في الرأي في التعبير عن رأيه , نتحاور ونسمع بعض لنتقارب ولا نقصي الأخر لنتباعد .


نختم :

في الآونة الأخيرة انتشرت رسالة تدعو إلى التظاهر يوم الجمعة عند دار الأوبرا , وأقول : أن من يرى أن هذا هي الطريقة المثلى لحل المشكلة وان اختلفنا معه في الأسلوب فله ذلك , على أن يكون سلمياً ويحمل رسالة معينة , وليس من حق من يخالفهم تخوينهم والتشكيك في نواياهم ووصفهم بمثيري الفتن وان لهم غايات مبطنة لا يحمد عاقبتها إذا ما ظهرت , فالتجمعات السلمية إحدى طرق التعبير عن الرأي وعلينا أن نعتاد على ذلك .
ورغم رسالة الاعتذار التي قدمها مجلس دار الأوبرا عليه أن يكون أكثر دقة في المرات المقبلة وان برر أن ذلك هو " دور ثانوي  " فيجب عليهم معرفة تفاصيل ما ستقوم به أي فرقة ومنعهم من أي دور ثانوي إن كان مثل هذا الدور !



  




0 التعليقات:

إرسال تعليق