الخميس، 19 نوفمبر، 2015

إعتداءات باريس، الجذور والنتائج






لقد إستطاعت أوروبا أن تجعل من قيمة الفرد في مجتمعاتها غالية وقيّمة، وما إن حدثت الإعتداءات في باريس إلا وتناقلت وسائل الإعلام هذه الأخبار واُستنكرت هذه الهجمات من شرق  الكرة الأرضية إلى غربها، توشحت البنايات وصور العرض في حسابات التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا، ولا تُلام أوروبا في ذلك عندما جعلت هذه قيمة الإنسان، بينما جعلناها في أسفل السافلين، حيث يموت نفس العدد الناتج من هذه الاعتداءات في الوطن العربي.

في هذا المقال سأسلط الضوء على نقطتين رئيسيتين وهما الجذور والنتائج:

الجذور:

وأقصد بالجذور هنا عن مبررات هذه الإعتداءات من المنطلق الديني، فهناك شريحة تتفق مع هذه الإعتداءات وآخرين لا يتفقون ولكن من حيث لا يدرون هم يتفقوا.

هناك مقولة للشيخ حسن فرحان المالكي يقول بتصرف: لا يمكن هزيمة داعش إلا بالقرآن، وهذه مقولة عميقة، حيث بغير القرآن فإن فكر داعش لا محالة منتصر، وما يحدث اليوم في الوسط الديني فعليًا أن القران أصبح مهجورًا ومهمش، لا عليك من قولهم أن القرآن المصدر الأول في التشريع فهو كلام ليس له حظ من الواقع، حيث أن كتب الحديث وشروحاته وأقوال الفقهاء تعلوا على القرآن، وإذا ما جئنا إلى هذا التراث فإن داعش هي أفضل من يطبقه، فإذا ناقشتهم فيه فسوف ينتصرون.

بعد تبني داعش هذه الإعتداءات ووصفها بالغزوة لاشك أنهم يقصدون الجهاد، وما الجهاد في القرآن إلا في الدفاع عن النفس وليس الإعتداء على إنسان بريء كائن من كان، فالأولى الجهاد في فلسطين، إذ أنها الدولة المعتدى عليها والمحتلة بصورة واضحة لكن مسلم، ولكن احتجوا أصحاب الفكر الداعشي أن قبل تحرير فلسطين يجب تحرير ما جاورها كسوريا والعراق والأردن وتكون لهم قوة وشوكة ثم يبدأ تحرير فلسطين وإلا عد هذا انتحارًا، وقد يكون كلامهم صحيحًا ولكن انطبقت عليهم مقولة: صدق وهو كذوب، فإن بهذا المنطق كيف لك أن تهاجم دولة في أوروبا وأنت لم تستطع بعد تحرير دمشق؟ أم انك زحفت إلى أوروبا وحررت ألمانيا وإيطاليا ولم يتبق لك إلا فرنسا؟

لم يجدوا في القرآن ما يسعفهم فلاذوا بالفرار إلى التراث لأنه حتمًا سيساعدهم فقد اختلط به الباطل، لذلك برروا الهجوم على الدول الغربية على أنه جهاد الطلب، وجهاد الطلب بمعنى هو الهجوم على غير المسلمين في دارهم حتى وإن لم يشكلوا خطرًا عسكريًا ضد المسلمين، فتأمل!

ثم أين أنت من وصية الرسول للجيش عندما قال: “ألا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليداً، أو امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا معتصماً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا بناءً” ؟
فكيف بقتل عشوائي بينهم الأطفال والنساء والشيوخ!

ولكن كما أسفلت سابقًا داعش لديها التبريرات التي تحتاجها من التراث الذي امتزج به الباطل، فأي دين هذا الذي يقول لك يجوز أن تقتل الأطفال والنساء؟ للأسف أنه موجود أيضًا في كتبنا لأشخاص بقي شبر والناس سيعبدونهم، فيقول ابن عثيمين في كتاب الجهاد والسير والإمارة، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب":

“تحريم قتل النساء والصبيان في حال الحرب، فإن قيل لو فعلوا ذلك بنا بأن قتلوا صبياننا ونساءنا فهل نقتلهم ؟ 
الظاهر أنّه لنا أن نقتل النساء والصبيان ولو فاتت علينا الماليَّة لما في ذلك من كسرٍ لقلوب الأعداء وإهانتهم ولعموم قوله تعالى:(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) !

ثم ماذا إذا كان بين هؤلاء الناس مسلمين؟ قد يكون بينهم مسلمين، ففي أوروبا هناك ما يقارب 50 مليون مسلم يعيشون فيها؟
مرة آخرى داعش لديه التبرير وسيلقي عليك فتوى التترس بمعنى يجوز قتل قليل من المسلمين لمصلحة أكبر وهي الجهاد، وكأنه دين أتى به بينثام وليس محمد (ص).

لذلك نقول للذين يقولون أن داعش صناعة أمريكية أو غربية أو إيرانية هذا غير صحيح، داعش ليست بدعة وإنما هي صنيعة تراثنا ولكن الفرق بينهم وبين الآخرين أنهم قاموا بتنفيذ هذا التراث.



النتائج:

بعد اعتداءات باريس ما الذي سيحدث أو ما الذي حدث بالفعل، هل سينصب ذلك في مصلحة المسلمين؟ لا بالطبع. لقد لخص الدكتور عدنان إبراهيم في إحدى خطبة هذه النتائج تعليقًا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر بقوله: أنت تفجر برج، هم يحتلوا دولة. وإليك بعض ما حدث:

- كانت أسباب الإعتداءات حسب بيان داعش، أن فرنسا كانت مشاركة في التحالف لقصف داعش وأن سبب هذه الإعتداءات لجعها تتوقف، ولكن بعد الإعتداءات قامت فرنسا بزيادة وتيرة القصف.

- قامت مظاهرات في فرنسا وبعض الدول الأوروبية ضد المسلمين وقاموا بحرق المساجد وأماكن اللاجئين.

- الحكومة الفرنسية تعتزم حل مساجد في فرنسا.

- ناهيك عن التضييق الذي سينصب على المسلمين في أوروبا.

- هذه الإعتداءات تعطي للأحزاب اليمينية الفرصة أكثر للوصول إلى السلطة.

وستفكر أوروبا 100 ألف مرة قبل إستقبال اللاجئين، اللاجئين الذين لم تستقبلهم أي دولة عربية واستقبلها هؤلاء الكفار بالملايين، إني أحزن على وضع اللاجئ والمهاجر الذي اغترب عن وطنه، وقمنا باللحاق به لتنغيص عيشته، بينما هو يعيش في أوروبا آمن مطمئن، ويحصل على الأموال من ضرائب الشعب، فلم نكتفي بالتحريض ببعضنا البعض وقمنا بالتحريض للذين ابتعدوا عنا لقتل من استقبلوهم وعاشوا معهم بأمان.

في المقابل لا أقوم بجعل أوروبا كدول ومجتمعات مثالية، وإن بها سلبيات في نهاية الأمر، الكثير يقولون أن ما فعلته فرنسا أشد وأمّر في شمال أفريقيا، وهذا صحيح ولكن الإعتداء عليهم الآن اشبههُ بمن يريد أن يقتلك لأن جدك السادس عشر قام بقتل جده الخامس عشر، ما زالت عقلية الثأر التي اتى الرسول محمد لإلغائها موجودة، وما التناحر المذهبي الذي نشهده اليوم إلا بسبب رجال ماتوا قبل 1400 سنة!

وفي الجهة المقابلة من بالغ بردة فعله بعد الإعتداءات ووشح صورة عرضه في شبكات التواصل الإجتماعي بعلم فرنسا، وهذه المبالغة لم تكن على مستوى أفراد وإنما دول، فقامت دول بتوشيح مبانيها بالعلم الفرنسي وهي دول عربية، لقد كان الأولى لهؤلاء توشيح مبانيهم منذ الأربعينيات بالعلم الفلسطيني، فلسطين التي لم نناصرها لا نحن ولا داعش ولا الغرب، وهي الأولى بالتعاطف، ولكن كما قلت سابقًا لقد استرخصنا دمائنا ووجدنا ألف تبرير وتبرير ليقتل الأخ أخاه، وأصبح القتل أمر طبيعي في أوطاننا العربية ولم نكتفي بذلك وأردنا تصديره.

يقول الشاعر أحمد مطر:

الإعدام أخف عقاب
يتلقاه الفرد العربي.
أهنالك أقسى من هذا؟
- طبعاً..
فالأقسى من هذا
أن يحيا في الوطن العربي!


اختلفت الأوضاع يا أحمد مطر الآن، فالأقسى من الإعدام هو أن يحيا فقط، بغض النظر عن المكان.


الاثنين، 14 سبتمبر، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٨) الخاتمة



وبهذا أكون قد انتهيت من جولتي في سويسرا قضيت فيها ثلاثة أشهر إلا عشرا وكانت جولة فكرية أكثر مما هي سياحية.


وإن كان لابد من خاتمة فإني أضع خاتمة موجزة مبنية على المواضيع السابقة والتي حاولت فيها ألا اذكر المعلومات المعروفة عن سويسرا والتي ستقرؤنها في أي كتاب أو مقال يتحدث عن سويسرا، وعلى ما استنتجته في النهاية، وإذ كان بالإمكان وضع هذه الخاتمة في جملة واحدة فسأقول: “الإنسان أولًا”.


إن الحياة والنظام في سويسرا بكل ما يحتويه وآلية عمله تهدف أولًا وأخيرًا إلى خدمة الإنسان بغض النظر عن مركزه، عرقه، دينه، لغته..الخ، فالهدف هو أن يعيش السويسري حياة كريمة، فكل التركيز وكل تقدم تكنلوجي أو علمي في نهاية المطاف يستخدم لتوفير حياة كريمة للسويسري.


فسويسرا لم تنفق الملايين ليكون لها جيش تغزو به الدول وتكون لها مستعمرات ولا لها طموحات امبريالية، ولم تغزو الفضاء والمريخ وترسل اقمار اصطناعية للمراقبة والتجسس وتكون بمثابة “الأخ الأكبر” الذي يراقبك في كل وقت، فكل هذه الأشياء مع انها تقدم علمي إلا أنه لا يخدم الإنسان مباشرة فاستغنت عنها.


كل التكنلوجيا وجهت لخدمة السويسري وتسهيل عمله، فالعامل يستخدم أحدث الآلات والتقنية في أداء عمله حتى يزيد انتاجه ويكون أيسر له، حتى استطاع السويسري بالحليب ومشتقاته والشوكلاتة أن يدير اقتصاد من أغنى الدول في العالم.


علمتني سويسرا أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وإنما عندما تشتري تلك الخبزة من عرق جبينك وأنت كلك كرامة، لك ما لك من الحقوق والحرية التي تؤمن بها وتسري في دمائك، والتي اخترتها وارتضيت بها واقسمت على أنك ستدافع عنها.


علمتني سويسرا أن الحرية حرة..



الخميس، 27 أغسطس، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٧) اخدم نفسك بنفسك


خلال تواجدي في سويسرا وتجوالي في مدنها وشوارعها ومحلاتها لفت انتباهي لائحة قد تكررت عليّ مرات عديدة في مختلف الأماكن وهي لائحة self service ، سأقوم بذكر بعض الأمثلة:




- محطات البنزين:

إذا ذهبت إلى محطة البنزين لا تنتظر كثيرًا لكي يأتي شخص ويقوم بتعبئة خزان الوقود لك فهذا لن يحصل، فلا يوجد شخص يقوم بهذه الخدمة وإنما عليك بتعبئة خزان الوقود بنفسك وهي ليست حكرًا على فئة معينة من الناس فيقوم بها من أفقر سويسري إلى أفحشهم ثراءًا.


- المحلات التجارية:

عند دخولك لمحل تجاري كبير ستلاحظ أن عدد المحاسبين قليل مقارنة بسعة المحل ومرتاديه، حيث يضعوك في موقفين لا ثالث لهما، إما أن تقوم بأخذ جهاز ويقوم بمسح ما أشتريته، أي أنك تكون أنت المحاسب وأي شيء تريد أن تشتريه وقبل وضعه في السلة تقوم بإستخدام الجهاز، ثم يظهر لك التكلفة الكلية وما عليك إلا الدفع عن طريق جهاز آخر سواء كان نقدًا أو بالبطاقة المصرفية. أو أنك تختار الخيار الثاني وهو الوقوف في طابور طويل قد يأخذ الكثير من وقتك.
كما أن السلة سوف تقوم بإعادتها بنفسك في مكانها المخصص وإلا ستفقد 2 فرانك سويسري وهو ما يقارب 1.5 ريال عماني، وهذا المبلغ تضعه في السلة حتى تستطيع الحصول عليها والإستفادة منها، فلا يوجد موظف يقوم بجمع السلال وإعادتها إلى أماكنها المخصصة.


- المزارع:

تقوم بعض المزارع بالسماح للأشخاص الدخول في أراضيها وأخذ ما يحتاجونه مباشرة من الشجرة مثل الخضروات والفواكة والورود والأزهار، حيث يقوم المشتري بعدها بالتوجه إلى المحاسب، وفي بعض الحالات لا يوجد محاسب وإنما صندوق يضع المشتري المال فيه بعد أخذ ما يريده حيث تحدد القيمة في بوابة المزرعة وفي النهاية هي مسألة ثقة. تمتاز هذه المزارع بأن منتجاتها رخيصة مقارنة مع نفس المنتجات في المحلات التجارية.


- غسيل السيارات:

فكرة غسيل السيارات في سويسرا هي أن تقوم بدفع مبلغ رمزي حيث تستطيع ركن سيارتك وتقوم بتنظيفها بمفردك في مكان مخصص تتوفر فيها الأدوات اللازمة، أما إذا كنت تريد شخص آخر يقوم بهذه المهمة فإنك تستطيع الحصول على مثل هذه المحلات ولكنها سوف تكلفك بالمتوسط 50 ريال عماني.


-القمامة

لن يقوم أحد برمي قمامتك سوى أنت، حيث أن هناك نظام لرمي القمامة وهو أن تقوم بأخذ القمامة إلى مكان مخصص موجود في كل قرية، وتقوم بفصل القمامة فالبلاستيك له قمامة مخصصة كذلك الزجاج والألمنيوم والأجهزة الإلكترونية والقرطاس والبطاريات، وستقوم بنفسك بتقسيم القمامة ورميها في المكان المخصص لأن هذا أولا وأخيرًا هي قمامتك.

- المهن:

السويسري هو نجار وحداد وسباك وكهربائي وميكانيكي وأشياء أخرى! فهو يقوم بجميع هذه المهن في بيته إذا اقتضت الحاجة فهو الذي يقوم بتشييد السياج وتركيب الأنابيت وإصلاح الخلل الكهربائي أو الميكانيكي لأجهزته، ولقد قابلت سيدة تقوم بإعادة بناء بيت قديم قد اشترته حديثًا ويساعدها زوجها وأبيه في البناء.
وإذا صادف مشكلة خارج نطاق استطاعته استعان بالعامل المحترف والسبب في هذا أن العامل المحترف يتقاضى أجرًا مرتفعًا نظير عمله فهو قبل أن يصبح سباكًا قام بدراسة هذه الحرفة وتعلمها وأخذ دورات فيها في أماكن مخصصة تقوم بتخريج أمثال هؤلاء العاملين وليس مجرد عامل "تعلم الحسانه فوق روس المجانيين!"

إذا ما دققنا النظر حول هذه الظاهرة فسنلاحظ أنها تنبع في المقام الأول لأسباب إقتصادية بحتة، فوجود مهن كالعامل الذي يقوم بتعبئة الوقود أو مجموعة كبيرة من المحاسبين يؤثر مباشرة أولًا في سعر المنتج أو الخدمة وثانيًا في الإقتصاد ككل، ولهذا السبب تجد المنتجات في المزارع إذا قمت بحصادها بنفسك رخيصة مقارنة بالمحال التجارية ذلك وأن إذا قام عامل بحصادها فيتطلب مرتب -وهو مرتب مرتفع- مما يؤدي بشكل طبيعي بإرتفاع سعر المنتج تغطية للتكاليف وإلا ما استفاد التاجر شيء، لذلك يتم الإستغناء عن الوظائف التي يمكن الإستغناء عنها وبالإمكان للأشخاص القيام بها، كذلك الأعمال والتي نعتبرها "بسيطة" يحصل السويسري عليها مرتبات مرتفعة أو تكون مهنة يعيش بها، وبما أنني أسكن في الريف فقد لاحظت أن السويسري ما زال ذلك المزارع الذي يحرث الأرض ويزرعها ويحصد منتوجاتها دون الإستعانة بالعمالة الوافدة -إلا منا ندر- ويمتلك مصانع للألبان ومشتقاتها ويشرف عليها ويعمل بها شخصيًا، صحيح أن بالإستغناء عن بعض الوظائف يقلص فرص العمل ولكن في المقابل إستغلال ما يمكن استغلاله والتمسك بالحرف التي اعتبرناها بسيطة ومنحها الدعم من قبل الحكومة المحلية أو الفيدرالية جعلت السويسري يتمسك بها ولم يسلمها للعمالة الوافدة.

سويسرا بين الواقع والمثال (٦) جان جاك روسو

"وإني حين بحثت عن أصلح القواعد التي يُمِكن العقل الرشيد أن يُمِليها حول نظام حكومة، بلغت من بهر النظر باكتشافي وجودها كلها جاريةً في حكومتكم "

 هكذا خاطب الفيلسوف جان جاك روسو جمهورية جنيف في خطاب أرسله قبل تقديم كتابه أصل التفاوت بين الناس، لقد أحب روسو جنيف فقد ولد وترعرع فيها منذ صباه حتى سن السادسة عشر، وبالمقابل أحبت جنيف روسو بعد وفاته بعد معرفة التأثير الذي قام به هذا الفيلسوف وما زال صدى هذا التأثير حاصل إلى يومنا هذا، ولعل جنيف تعتبر أكثر مدينة تمجد روسو، لذا قمت بزيارة ثانية لجنيف فقط للبحث عن معالم روسو، وقمت بزيارة أربعة أماكن رئيسية وهي: جزيرة جان جاك روسو، منزل روسو (متحف)، شارع روسو، ومدرسة روسو.


جزيرة جان جاك روسو  Île Rousseau:

جزيرة جان جاك روسو هي جزيرة صغيرة على شكل قلب ولها مدخل واحد من الجسر، وفيها قد نصب تمثال لجان جاك روسو ومن حوله تلتف الأزهار جالسًا على كرسي وأسفل الكرسي مجموعة من الكتب، وبيده اليمنى يمسك بقلم وبيده اليسرى كتاب.
إذا وقفت أمام التمثال فسترى نافورة جنيف المشهورة وعلى يمينك مقهى صغير يحمل اسمه "روسو" ويحيط بالجزيرة مجموعة من الكراسي يجلس بها الناس للإستراحة أو للكتابة -كما أفعل أنا الآن- كذلك وتوجد لائحة بها بعض اقتباسات روسو ومن كتب مختلفة كالإعترافات وهلويز الجديدة (جولي) ومنتزه الرجل الوحداني.
المكان يعتبر نشط مقارنة بمساحته حيث يأتي الناس لرؤية التمثال وأخذ صورة له، كما أن الموقع جيد حيث بالإمكان رؤية النافورة بوضوح ومكان مناسب للإستراحة ومشاهدة المناظر الطبيعية والبحيرة حول الجزيرة وحولها مجموعة من الطيور يقوم الناس بإطعامها، أو لمشاهدة المباني الحديثة والقديمة في جنيف.









منزل روسو (متحف)

وهو المنزل الذي ولد وترعرع فيه والآن هو عبارة عن متحف



١- يتم عرض الحياة التي قضاها روسو في جنيف أيام الطفولة، حيث أنه غادر جنيف وهو في سن السادسة عشر، ويتم تقديم روسو وتعريفه في كثير من الأحيان كما وصفها هو بنفسه خاصة من كتابه الإعترافات.



٢- يعرّف المنزل حياة روسو بعد مغادرته لجنيف والتي قضى معضمها في فرنسا ويعرض أفكاره وكتبه ومعارضته مع فولتير وديفيد هيوم، وقصة كتبابه المشهور "العقد الإجتماعي" المسمى بإنجيل الثورة الفرنسية والذي يعده كثير من الكتّاب والمفكرين أنه مفجر الثورة الفرنسية.


٣- جولة مع كتابه إيميل حيث يظهر فيها روسو الفيلسوف المربي، ولكن هذا الكتاب تم حرقه في كل من جنيف وفرنسا حيث لاقى هذا الكتاب النقد اللاذع من الفلاسفة ورجال الدين واعتبروه مروقًا من الدين. للمزيد انظر كتاب قصة الحضارة/ ول ديوارنت/المجلد العاشر/ الفصل الثامن: روسو المنبوذ



٤- يعرض روايته هلويز الجديدة أو كما تعرف "جولي" وتعتبر من أشهر الروايات في القرن الثامن عشر



٥- يعرض روسو الموسيقي وأهتمامه بالفن، كذلك يعرض كتابه الإعترافات وبعض الإقتباسات منه حيث يعتبر الكتاب السيرة لروسو والذي كتبها هو بنفسه، كذلك يعرض وفاته ونقل قبره إلى فرنسا.



٦- وأخيرًا يعرض ما قاله بعض الفلاسفة والكتّاب عن روسو من مختلف انحاء العالم




منهم محمد حسين هيكل ت 1956 حيث يقول -بتصرف- : لقد جف الأدب الفرنسي فكان لابد من كاتب رقيق الشعور يخاطب القلب.




شارع جان جاك روسو:

وهو شارع يتفرع منه شوراع اخرى وقد سميت بأسماء كتبه وفي بعض الأحيان شخصيات من رواياته، فعلى سبيل المثال: الاعترافات Le confessions / العقد الإجتماعي Le Contrat Social / وهيلويز الجديدة La Nouvelle Heloise وعراف القرية Le Devin du Village 





مدرسة روسو:


وهي مدرسة صغيرة تستقبل 800 طالب ويشرف عليها ما يزيد على 100 معلم ومدرب تم تسمية المدرسة باسم جان جاك روسو





وعلاوة على مدينة جنيف فهناك مناطق أخرى تحمل بعض من معالم روسو أو حتى أماكن قد زارها أو سافر إليها كلاجئ مثل: نوشاتيل وسان بيار.

السؤال هنا: ما سر هذا الإهتمام البالغ بجان جاك روسو، رغم انه فقط قد ولد فيها وقضى معظم حياته خارجها؟

يجيب الكاتب محمود لواساني في كتابه "سويسرا: الحضارة الصامتة": "أن وراء هذا الإهتمام بالرجل أسبابًا نفسية وعوامل تاريخية وحضارية تنبع من جذورها من الإرتباط العضوي بين معتقدات جان جاك روسو الفلسفية وتفكيره الإنساني وطموحاته الثورية في حقل الإصلاح السياسي والإجتماعي والأخلاقي وبين المثل التي يؤمن بها الشعب السويسري بل يعمل على تطبيقها ما أمكنه ذلك حتى قبل ولادة روسو بعشرات السنين، كان في الحقيقة أشد الشعوب قربًا من هذه المعتقدات وأصدقها امتثالًا في تحقيق تلك الطموحات والأهداف التي نادى بها فلاسفة القرن الثامن عشر..."

وقد أضيف على ذلك بأن سويسرا تفتقر لمثل هذه الشخصيات العالمية التي تجوب اسمائها في كل مكان وزاوية ولعل وبعودتنا إلى الموضوع السابق سويسرا بين الواقع والمثال (٢) الرمزية سنرى أن الشخصيات السويسرية المختارة قد تكون مشهورة محليًا أو على مستوى أوروبا ولكن ليس على مستوى العالم، وكما قلنا في الموضوع السابق أن سويسرا تلتزم بالرمزية وتمجد الإنسان الذي خدم الإنسانية وإن كانت هناك شخصية تستحق هذا التمجيد فإن جان جاك روسو يستحقها وبجدارة، فلا غرابة أن سويسرا تعطيه هذا القدر الكبير من الإهتمام حتى وإن ولد فيها ومكث فيها قليلًا وعاد إليها كلاجئ لبعض الوقت وتغزل بها في بعض الأحيان، فكل هذا كان كافٍ لسويسرا بأن تسحب بساط روسو بجانبها.

السبت، 8 أغسطس، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٥) الآخر

إذا ما تحدثنا عن العنصرية في أوروبا فهو باب كبير لا يسعه مقال لذا سأتحدث في هذا المقال عن صور العنصرية التي صادفتها أو عايشتها في سويسرا بعد مضي أكثر من شهر من تواجدي في أراضيها وقبل الولجوء إلى صلب الموضوع نضع تعريف بسيط للعنصرية، نستطيع القول أن العنصرية هي اعتقاد أن الفرد لديه صفات وأساليب موروثة تُزرع فيه نفسه عند ولادته طبقًا للعرق أو لجماعة أو دين.




لقد صادفت موقفين قد استطيع أن اضعهما في خانة العنصرية وفق هذا المفهوم البسيط، حيث سأسرد الموقفين وبعدها محاولة فهم الأسباب التي أدت إلى مثل هذه المواقف، حيث ليس الهدف من الموضوع وضع نفسي في موقف الضحية.

الموقف الأول:

كنت جالسًا في القطار متجه من فريبورج إلى مدينة بيرينس تحديدًا شلالات جيسباخفل مع صديقي، وبينما نحن نتحدث أتى رجلان من اتجاهين متعاكسين حتى وصلوا إلى مكان جلوسي، اشهروا بطاقاتهم وكانوا يتحدثون الألمانية حيث لم استطع أن افهم ما يقولون فسألت صديقي عن الذي يحصل فقال انهما من شرطة الحدود ويطلبان بطاقات الهوية، فسلمتهم نسخة من التأشيرة إلا أنهم طلبوا النسخة الأصلية وكان ردي أني لا احملها عندما اذهب لجولات مثل هذه حتى لا افقدها، كان الشرطي السيء يجري مكالمة ليتأكد من التأشيرة، والشرطي الجيد يتحدث معنا وكنا نشرح له اجراءات التأشيرة ..الخ وسألناه عن اسوء الحالات التي نصادفها فقال عليّ التوجه لقسم الشرطة واجراء مسح للبصمة، فلما شعروا أننا نعلم جميع إجراءات التأشيرة غادروا وتأسفوا عن إضاعة الوقت.
مظهر العنصرية في هذا الموقف هو: لماذا تم التأكد من هويتي دون غيري من بين عشرات الأشخاص المتواجدين في القطار؟


الموقف الثاني:

خلال زيارتي لجنيف توقفنا أنا وصديقي في موقف الحافلات، كنت اشاهد البنايات بينما كان يقلب الخارطة لتحديد وجهتنا القادمة في جنيف، تحولت إشارة المرور إلى اللون الأحمر وتوقف السير فإذا برجل في السيارة يدفع ببوق سيارته محاولًا لفت الإنتباه إليه، وضعت يدي على صدري اذا كنت أنا المقصود فأشار إلى صديقي فظننت أنه تائه يحاول الوصول إلى مكان وصديقي لديه الخارطة فلعله يدله على الطريق وكذلك كان تفكير صديقي، فذهب ليتحدث معه وعندما عاد إلي كان يردد: لا أصدق ما كان يقول .. لا أصدق ما كان يقول، فطلبت منه أن يخبرني ماذا قال فأتضح لي أن الرجل قال لصديقي: "انتبه من ذلك الشخص (يقصدني أنا) فهو يحاول أن يسرق محفظتك" فضحكت وقلت: هذا غريب لم يقل أني أنوي تفجير مكتب الأمم المتحدة!

هذين الموقفين يصنفان ضمن نطاق العنصرية إذا ما طبقنا التعريف البسيط سالف الذكر، إذ أن تم الحكم من خلال المظهر على سلوكيات اتملكها، ففي الموقف الأول أني هارب من دولتي متجه إلى دولة أوروبية بطريقة غير شرعية والموقف الثاني لص!
ولكن يا ترى من أين جائت هذه الأفكار حتى يحكموا من مجرد المظهر على ما أنت عليه؟

بالنسبة للموقف الأول فإن أوروبا عمومًا تعاني من اللجوء داخل أراضيها بطريقة غير شرعية ولعل أكثر هذه الفئات هم السوريون فبحسب CNBC العربية فقد : تسبب الصراع السوري بأكبر زيادة في أعداد اللاجئين حول العالم باعتباره “أسوأ أزمة إنسانية شهدها العالم” بحسب مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ بلغت أعداد اللاجئين السوريين 3.9 مليون شخص، في حين بلغت أعداد النازحين داخل البلاد حوالي 7.6 مليون شخص العام الماضي، أي ما مجموعه 11.5 مليون سوري.

وقد عقد اجتماع لوزراء خارجية وداخلية الإتحاد الأوروبي للتصدي لمهربي اللاجئين بطريقة غير شرعية، حيث كانت النتيجة في هذا الإجتماع تشديد المراقبة على مثل هذه الحالات.

أما الموقف الثاني وله علاقة بالموقف الأول فإن فكرة السرقة أو الجرائم لم تكن وليدة اللحظة، ففي نوفمبر من عام 2010 وافق 52.9٪ من الناخبين السويسريين على مبادرة "ترحيل المجرمين الأجانب" ويقصد بهذا القانون بالطرد التلقائي من البلاد للأجانب المُدانين بارتكاب جرائم خطيرة، كالإغتصاب والسرقة بالإكراه والإتجار بالمخدرات والإحتيال بغرض سوء استغلال المساعدات الإجتماعية. ولكن من هم الاجانب؟ كما ورد في موقع SWISS INFO بالعربية : ولكن، يا ترى مَن هُمُ الأجانب الذين يتم طردهم من سويسرا؟ يجيب هندريك كراوْسْكوبْف، الخبير لدى المكتب الفدرالي للهجرة بشأن معايير الإبعاد ، في تصريح لـ swissinfo.ch: "هم صنفان من الأجانب: صنف يدخل ضمن إطار اللجوء، وصنف آخر يدخل ضمن إطار القانون الفدرالي بشأن الأجانب" 
ولأكون أكثر وضوحًا وصراحة فإن هندريك كراوْسْكوبْف يقصد بالصنف الأول: الأشخاص من الشرق الأوسط وأفريقيا والصنف الثاني يقصد به الأشخاص من دول أوروبا الشرقية. 
ففي حين تساهلت سويسرا بإستقبال اللاجئين زادت نسبة الجريمة وهذا ما تحاول سويسرا عمله منذ عام 2004 عند ارتفاع نسبة الجريمة وأصبحت مهددة بخسارة لقب دولة الأمان.

يذكر الكاتب محمود لواساني في كتابه: سويسرا الحضارة الصامتة:
" لقد فتحت عيني منذ طفولتي وأنا اسمع من حولي يقولون: (إن المحاكم السويسرية لا تفتح أبوابها إلا مرة كل ستة أشهر) لأن الدعاوى في هذا البلاد تكون منعدمة وكنت أزداد توقًا للمقارنة بين ما عندهم وما عندنا كلما سمعت بعض الظرفاء يعلق على هذا الوصف في نكتة تتلخص في أن هذه المحاكم إنما (تفتح أبوابها كل ستة أشهر بسبب شجار وقع أو جرم ارتكب، وكان وراءه أحد أبنائنا الشرقيين أبان تواجده في سويسرا."

أعود إلى تعليقي الساخر: "هذا غريب لم يقل أني أنوي تفجير مكتب الأمم المتحدة!" لم يكن هذا التعليق اعتباطًا فخلال تواجدي ما الذي كان يجري في دول الخليج العربي؟ ثلاثة تفجيرات في مساجد بالسعودية وتفجير بمسجد في الكويت والعدد في أزدياد ناهيك عن التفجيرات اليومية والقتال الدموي في سوريا والعراق وليبيا ومصر، والشحن الطائفي وداعش والحشد الشعبي ورؤوس تقطع وقلوب تُأكل وقتل الرهائن والأسرى بالجملة والقائمة تطول، إن هذه الصورة الذي كونها الفرد والمجتمع الغربي ناتجة عن أفعالنا وليست مجرد خيال، نحن من قام بزرع هذه الصورة لهم.

إني لا أحاول تبرئة الشعوب الأوروبية -وخاصة في مقالي السويسرية- العصمة من الخطأ أو العنصرية، فهذا بعيد كل البعد عن الموضوعية، لا تكاد تخلو دولة من مظاهر العنصرية كما أن لا يمكن تعميم فعل فرد على الجميع وإلا وقعنا في العنصرية كذلك، ولكن الأهم أن الدولة تكافح هذه المظاهر قدر المستطاع بالقانون وأنا متأكد أن من يواجه تمييز عنصري ويذهب للمحكمة فسينال حقه.

الأحد، 12 يوليو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٤) الانتحار

عند المشي على جسر في سويسرا أو مكان مرتفع ستلاحظ أن هناك أسلاك على الجانب وشباك وحواجز بالأسفل، وفي أول الأمر اعتقدت إنها بسبب الأمان لا أكثر ولكن بعدها اكتشفت إنها بسبب وقف حالات الانتحار في تلك الأماكن.



يصعب في أرض الواقع التعرف أو ملاحظة كثرة حالات الإنتحار بإستثناء هذه الأسلاك والحواجز على الجسور والأماكن المرتفعة، شدني موضوع الإنتحار هذا وكل ما امكنني فعله هو البحث في الإنترنت والسؤال.


تحتل سويسرا مرتبة مرتفعة جدًا لعدد حالات الانتحار مقارنة بالدول الأوروبية، وقد انخفض المعدل تدريجيًا، على سبيل المثال، كان هناك  14.3 حالة انتحار لكل 100،000 نسمة في عام 2007، مقارنة مع 22 حالة انتحار في عام 1984.(١)



وفي عام 2009، توفي 1105 شخصا (827 من الرجال والنساء 278) بواسطة الانتحار في سويسرا.
وفي عام 1995، أكثر من 1400 شخص قاموا بالإنتحار
وفي منتصف عام 1980 كان العدد أكثر من 1600 شخص.(٢)





أما عن الأسباب الدافعة للانتحار فإن 56% من حالات الإنتحار لا يتم ذكر السبب، ويصنفها مكتب الإحصاء الفيدرالي السويسري على أنها حالات إكتئاب. أما 44٪ من حالات الإنتحار فإن السبب يعود إلى مرض جسدي ألم بالمنتحر أبرزها السرطان والقلب وأمراض الرئة.




أما بالنسبة لأساليب الإنتحار فهي موزعة على النحو التالي:
الشنق 28%
إطلاق النار 23%
السم 14%
القفز من مكان مرتفع 14%
القفز أمام مركبة 10%
أساليب اخرى 11%



المحير في الأمر أن الشريحة الكبرى من المنتحرين كما ذكرنا سابقًا يعود الدافع إلى الإكتئاب، وهذا موضوع به غموض فلا يعقل أن 56% من المنتحرين مصابون بالأكتئاب، وإن سلمنا بالأمر لماذا الإكتئاب منتشر بهذا الشكل المخيف، وكيف لدولة مثل سويسرا وأيضًا الدول الاسكندنافية وهي الدول المتقدمة في كل المجالات هذا اليوم تنتشر فيها ظاهرة الانتحار مع ان الإنتحار ليس موروث تاريخي لهذا الدول كاليابان مثلًا؟

قد استطيع القول أن هذا يعود إلى سببين رئيسيين وهما:

1- سياحة الانتحار:

ويقصد بسياحة الإنتحار أن يسافر شخص ينوي الإنتحار إلى بلد معين ولجهة معينة تقوم هذه الجهة بمساعدته على الإنتحار بدافع الشفقة أو كما يطلق عليه: الموت الرحيم. حيث تسمح القوانين في سويسرا بالقيام بالعملية مع ضرورة توافر شرط مرض الراغب بالإنتحار، وفي عام 2011 كان هناك إستفتاء في مدينة زيورخ وهي أشهر مدينة في سويسرا معروفة بسياحة الإنتحار تم التصويت على حظر سياحة الانتحار "وأظهرت النتائج النهائية للاستفتاء أن 15.5 ٪ فقط من الناخبين أيدوا حظر الانتحار بمساعدة الغير بينما أيد 22 ٪ حظر سياحة الانتحار." (٣)


"وبين 2008 و2012، استقبلت سويسرا 611 "سائحا" من 31 دولة، وغالبيتهم من ألمانيا وبريطانيا، وذلك بغرض الانتحار. وقالت دراسة علمية إنّ ستّ منظمات تدافع عن "الحق في الموت" في المملكة المتحدة ساعدت على الأقل في 600 حالة انتحار، من ضمنها ما بين 150 و200 "سائح انتحار." (٤)

هذه البيئة الإنتحارية قد خلقت في ذهن الناس صورة عادية أو ربما جميلة للإنتحار حيث يجمع مصطلحين يحاول الأول تحسين قبح الآخر مثل: سياحة الانتحار والموت الرحيم، وأصبحت ثقافة سائدة بين المجتمع وما أن يصاب الفرد بمرض أو ضائقة مالية كان الإنتحار هو أول الحلول وليس آخرها.


٢- حضارة مادية:

مع تقدم الدول الأوروبية منها سويسرا والدول الإسكندنافية تحولت هذه النهضة إلى نهضة مادية في نهاية الأمر، وأصبحت اللغة هي لغة المال، إن هذا الموضوع موضوع يحتاج إلى الكثير من التفصيل فهو موضوع يحمل في طياته الكثير من العناصر والعوامل: سياسية اقتصادية تاريخية وثقافية..الخ.

إن من أحد الأسباب كما ذكرنا سابقًا للانتحار والشريحة الكبرى هي الاكتئاب، ولكن اعتقد أن السبب الحقيقي وراء هذا النوع من الانتحار هي أسباب مالية بحتة وليست نفسية أو عاطفية، وفئة الشباب هم اكثر الفئات المصنفة تحت عنصر "الاكتئاب" وعادة ما يكون السيناريو على النحو التالي:
شاب خرج من البيت الذي ترعرع فيه بعد أن اصبح في سن الثامنة عشر، قطع الصلة بأسرته ليؤسس حياته الجديدة، يلتحق بوظيفة بسيطة، يخسر هذه الوظيفة، يبحث عن عمل، لا يجد عمل لسنوات، وفي رأس السنة الميلادية -الكريسمس- يشاهد الأفراد من حوله يحتفلون ويشترون ما تشتهي أنفسهم مع أسرهم يجتمعون، وهو وحيد، فيقرر القفز من على جسر ويضع حد لهذه المعاناة.
ولذلك بسويسرا في رأس السنة الميلادية وعلى الجسور هناك بعض المتطوعين يعملون كحراس في الجسر لمنع حدوث أي حالات انتحار بسبب زيادة الحالات في مثل هذا اليوم.

وعلى النقيض تمامًا من هذا السيناريو ينتشر سيناريو آخر وهو كالآتي:
فتاة لديها 16 عامًا، من عائلة غنية، لديها كل ما تريد، وكل ما تتمنى، وكل ما تسأل، تتجرع السم وتكتب ملاحظة: كنت وحيدة والحياة مملة.

لا يوجد أي رادع لإقبال الفرد على هذا القرار وقد اعتبرته الدول الأوروبية حرية شخصية، مع وجود نظريات فلسفية أخلاقية تعتبر الانتحار عمل غير أخلاقي وضد الحرية الشخصية. 

وقد عثرت في إحدى المكتبات في مدينة بازل كتب تتحدث عن الإنتحار والمساعدة عليه ومتى يجب أن تتخذ القرار، ويقوم الكتاب بإعطاء نصائح عن الإنتحار، وهذه هي ثلاثة كتب تتحدث حول الموت ومتى تحدده بنفسك



أما بالنسبة للدين والذي انسلخت منه أوروبا بعد الثورة الفرنسية فإنه عمومًا يحرم الانتحار سواء في الاسلام أو اليهودية أو المسيحية، مع صمت الكنسية الكاثوليكية في قضية الانتحار في سويسرا، ولهذا "ترى الباحثة سوزان فيشر أن الكنسية البروتستانتية تساهلت في هذا الأمر، ولم توضح الكنسية الكاثوليكية السويسرية موقفها صراحة في هذا المجال، وهو ما يعطي المقدمين على تلك الخطوة ومن يساعدهم الشعور بأنهم لا يرتكبون خطيئة"(٥)




١- wikipedia

الأحد، 5 يوليو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٣) الوقت





بقدر ما تشتهر سويسرا بصناعة الساعات ذات الدقة العالية والتصميم المتقن، فإن شعبها يشتهر بالالتزام بدقة المواعيد ودائمًا ما يكون في الوقت المحدد (on time)، وهذا ما لاحظته عند وصولي في أول يوم، فعندما استقليت القطار من زيورخ إلى العاصمة برن تم الإعلان في القطار عن شيء لم افهمه لأنه كان باللغة الألمانية، ولكن كانت هناك سيدتان تجلسان بجانبي ولقد ظهر على وجهيهما آثار الإنزعاج بعد الإعلان، وهنا ظننت أن شيء سيء قد سيحصل، فطلبت من صديقي أن يترجم لي الإعلان، فاتضح لي أن الإعلان كان يقول أن القطار سوف يتأخر لعشرة دقائق لأنه سيسلك طريق آخر بسبب أن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه قيد الإصلاح، نعم لقد كانت 10 دقائق فقط من التأخير تجعل الناس ينزعجون مع أنه تأخير خارج عن إطار إرادتهم.

لقد كان هذا أول موقف لي مع الإسطوانة السويسرية والتوقيت، وعمومًا هي صحيحة ولا اعني هنا بشكل كامل، فالتعميم ليس حكم صحيح، وإنما هناك استثناءات بشكل دائم، فمثلًا في القطارات أو بالأحرى الترام عندما يكون التنقل داخل المدن الصغيرة يكون هناك تأخير في الموعد لدقيقة أو دقيقتين إلا أن السائق عليه أن يتدارك هذا التوقيت، ويعود سبب هذا التأخير إلى أن شبكة الطرق للقطارات والترام والحافلات العامة معقدة وإن أي تأخير أو عطل ولو لثانية واحدة في جهة يتسبب بتأخير في جهة أخرى لمدة دقيقة، ومع ذلك يتدم تدارك الموقف وتعود المياه إلى مجاريها من جديد وبنفس التوقيت.

فبشكل عام كانت هذه الإسطوانة والصورة النمطية للتوقيت صحيحة واستطيع أن اقول إنها دقيقة، فعندما يقولون في الوقت المحدد أو توقيت سويسري فالمقصود هنا بالضبط في الوقت المحدد، فإذا كان إجتماع ما يبدأ في الساعة 7:00 فسيلتقي الناس في الساعة 7:00 ولكن ليس قبل ذلك، لذلك عبارة في الوقت المحدد (on time)، هي دقيقة وهذا يعني قد يتأخر السويسري ولكن من الخروج من بيته مثلًا، فيحاول أن يفعل المستحيل حتى لا يتأخر عن الإجتماع، فلو مثلنا هذا بمثال وسيكون على النحو التالي:

عامل سويسري كل يوم يذهب إلى عمله، يخرج الساعة السابعة من بيته ويصل لمكان عمله في الساعة الثامنة، ويمشي في الطريق بأريحية، لو تأخر هذا السويسري لمدة 15 دقيقة في بيته لسبب من الأسباب وخرج في الساعة 7:15 فسيعوّض هذا التأخير في الطريق ولهذا ستجده مجهد ويهرول.
وهذا ما لاحظته كذلك وخاصة في المدن وعند محطات القطارات وفي المجمعات التجارية، هناك فئتين من الناس الذين يقصدون مكان معين أو يريدون إنهاء إجراء أو عمل، الفئة الأولى يسيرون بأريحية والفئة الثانية المهرولون، وذلك لأن الفئة الأولى خرجوا في الوقت المحدد والفئة الثانية تأخروا في الطريق ولكن في النهاية الفئتان سيصلوا في الوقت المحدد.
ولذلك تعجبت في البداية لماذا الناس يهرولون على السلالم الكهربائية ثم اتضحت لي هذه الرؤية، والأعجب من ذلك أن في السلالم الكهربائية إذا كنت غير متأخر ولا تريد أن تمشي فعليك أن تقف في الجانب الأيمن من السلم، والمهرولون على الجانب الأيسر.

مظهر آخر من مظاهر الدقة في التواقيت هو التوقيت لإغلاق المحلات التجارية، وهو موضوع معقد حيث تخضع كل مقاطعة لقانون معين تحدده المقاطعة عبر الإجراءات القانونية، وسوف اتحدث عن المقاطعة التي اسكن حاليها فيها وهي فريبورج Freiburg، فالمحلات التجارية تغلق في الساعة 6:30 أو 7:00 مساءًا يعتمد على حسب المحل، وفي يوم الخميس يغلق في الساعة 9:00 مساءًا ومن لا يتقيد بهذا التوقيت يعرض نفسه لمسائلة قانونية ويغرم بمبلغ لا يتجاوز قرابة 40,000 CHF وهو ما يقارب 16,000 ريال عُماني، وفي حالة كان الدافع من عدم اغلاق المحل الجشع لكسب المزيد من المال فتكون الغرامة غير محدودة، لقد تعجبت عندما علمت بهذه المعلومة لأن بالمقارنة وفي عُمان تبقى بعض المحلات مفتوحة حتى بعد منتصف الليل، وما كان عليّ أن اتعجب، كيف والله يقول: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (النبأ/9).

إن التقييد بالتوقيت واحترام الوقت ما كان حكرًا على الغرب وحده، بل إنها ثقافة ضاربة بجذورها في الثقافة الإسلامية، حيث اقسم الله وفي اكثر من موضع بالأوقات: والعصر والفجر والضحى والليل والنهار وغيرها من الآيات الدالة على مثل ذلك، ولكن اعتبرنا التقييد بالوقت هي ماركة اوروبية صرفة والتأخير ما هو إلا منهج العرب، فتقدمت أمم وتأخرت أخرى على غرار ذلك.



الأحد، 28 يونيو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٢) الرمزية



إن أول ما لاحظته ولفت إنتباهي قد كان قبل أن أرى أي شيء من سويسرا، لقد كان قبل السفر عندما رأيت العملة السويسرية وهي ( الفرانك السويسري ) وكانت من فئة 20 فرانك سويسري وعليها صورة رجل وللوهلة الأولى اعتقدت انه رئيس وللوهلة الثانية أنه كان رئيس وكانت الوهلة الثالثة بعد أن استعدت رشدي قليلًا أنه اقتصادي كبير كما هو الحال مع آدم سميث في عملة الباوند، ولكنه لم يكن أي من هذه الأشياء فقد كان من على الصورة ملحن سويسري يدعى ( آرثر هونيجر ) ولكن لم تكن صورته هي الوحيدة المطبوعة على كل العملات وإنما كل فئة كانت تحمل صورة لفنان سويسري، ففي فئة 10 فرانك سويسري كانت تحمل صورة الفنان المعماري والكاتب  لو كوربوزييه، حيث أن كانت له تصاميم عديدة في مختلف دول العالم ومنها الدول العربية.






أما فئة الخمسين فكانت تحمل صورة صوفي تويبر آرب وهي فنانة ورسامة ونحاتة وأيضًا راقصة سويسرية وهي المرأة الوحيدة في السلسلة الحالية التي صدرت عام 1995

وبالنسبة لفئة 100 فرانك سويسري فطبع عليها ألبيرتو جاكومتي وهو نحات ورسام ومصمم مطبوعات سويسري، حاصل على كثير من الجوائز ومشارك في عديد من المتاحف الفنية.

وفئة 200 فرانك سويسري كانت تحمل صورة الكاتب والشاعر تشارليز فيردناند غامو وله العديد من المؤلفات وحاصل على جائزة جوتفريد كيلر واحدة من اقدم الجوائز الأدبية في سويسرا.


أما اخر فئة وهي فئة 1000 فرانك سويسري فطبع عليها صورة المؤرخ السويسري 
جيكوب بوركهارت وكان مؤرخًا للفن والثقافة وواحد من أعمدة المؤرخين في عصر النهضة.

وقد تم اصدار هذه الفئات في سنوات مختلفة ابتدأت في عام 1995 إلى 1998 لمجموعة من الأدباء والفنانيين وهذا بمثابة تكريم لهم لما اضافوه في حقل الثقافة والفن.

ما الذي اعنيه بالرمزية؟ اعني بالرمزية أن وكما لاحظت تنتهج سويسرا منهج الرمز بتوزيع القوى، حيث لا يوجد في النهاية قوة واحدة تحمل كل  أو أغلب القوى وتتحكم بها، ومثال عليه العملة سابقة الذكر، قد كان بمقدورهم وضع صورة لرئيس أو مؤسس أو حتى صورة لفنان أو أديب واحد على كل العملات، ولكن هذا ليس الأسلوب المتبع هنا، فالقوى يتم تشتيتها فبدلًا من وضع صورة أديب أو فنان واحد وضعوا ستة - بغض النظر عن الفئات المعدنية- .

وهذا هو المعمول في النظام السياسي السويسري، فلا تتعجب إذا سألت يومًا سويسريًا عن رئيس بلاده وقال لك لا أعرف أو اخطأ في اسمه أو احتاج إلى وقت ليتذكر، ففي سويسرا لا يوجد رئيس يملك سلطة خاصة، وإنما أعلى سلطة في سويسرا هي الجمعية الإتحادية أو الفيدرالية وتتكون من مجلسين:

أ- مجلس الشعب
ب- مجلس المقاطعات 

وهذه الجمعية تقوم بانتخاب اعضاء المجلس الإتحادي ورئيس هذا المجلس ونائبه، وهذا المجلس هو من يقوم بتولي السلطة التنفيذية، وتقوم الجمعية الإتحادية باختيار رئيس الإتحادي كل سنة غير قابلة للتجديد.  أي أن في كل سنة هناك رئيس جديد في البلاد، حيث أن منصب رئيس الدولة أو الاتحاد هو منصب "رمزي" لاوجود لقوة حقيقة له، وانما القوة متوزعه في الجمعية الإتحادية التي يتم انتخابها من قبل الشعب، حيث يعد الشعب مصدر للسلطة باعتباره يملك قوة مفترضة وهي الجماعة أو كما تسمى الإرادة الشعبية حيث يفترض ذوبان الفرد لينخرط في الجماعة.

إن الهدف من الرمزية هي نزع التقديس الذي قد يؤدي إلى الاستئثار بالقوة وحصرها لفئة معينة من الناس أو لفرد واحد، الرمزية مع المساواة وضد التقديس حيث أنها تخلق نوع من الطمئنينة لدى المجتمع أنه لا يوجد هناك قوة غاشمة قد تأتي في يوم من الأيام وتسلب حقوقهم وأن أي قوة كهذه فما هي إلا خرافة وأساطير الآولين تداولها الناس عبر العصور والأزمان للتسلية ولا وجود لها في أرض الواقع كما هو الحال مع الفئة المعدنية والتي تحمل صورة لآلهة الحرية ليبرتاس وهي تعبر عن "رمز" للحرية وليست طاغية حقيقة تعيش بين الناس تستعبد الشعوب.



الخميس، 25 يونيو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (١) المقدمة

المقدمة:




منذ سنوات وكان حلمي الذهاب إلى سويسرا كونها أكثر الدول تطورًا من جهة، وطبيعتها الساحرة من جهة اخرى، ثم تطور هذا الحلم وأصبح غاية أقصدها فما يردده الناس حول هذه البلاد كان شيء، وكما نقرأ عن نظامها السياسي المتكامل وأسلوب الناس المتقن الدقيق وتعايشهم السلمي شيء آخر.

وبعد سنوات عثرت على هذه الفرصة، حيث تمكنت من السفر بمساعدة صديق سويسري شجعني على زيارة هذه البقعة من العالم، فكان سببًا في تسهيل عملية السفر كونها كانت أول رحلة لي خارج الخليج العربي، وكما أنه بقيّ معي يجيبني على بعض الأسئلة التي اثيرها وينتابني الفضول حيالها.

ليس القصد من هذا المقال سرد القصص وروايتها لرحلتي، وإنما عن الهدف الأول لهذه الرحلة وهي مقارنة المثال بالواقع، مقارنة الصورة المرتسمة في ذهني مسبقًا من غير أن أشاهد أي شيء، والصورة الجديدة التي ارسمها في ذهني من خلال النظر والمشاهدة، ومطابقة الصورة النمطية (Stereotype) لبعض الأنماط ومدى صحتها وما حقيقتها إذا كانت صحيحة، كالفحش في الثراء والدقة في المواعيد. 

مضى الآن أسبوع على تواجدي في الأراضي الأوروبية والسويسرية بالتحديد وقد كانت كافية لإعطائي الإنطباع الأول والصورة الأولى ولكن ما زالت ليست عميقة وتحتاج إلى وقت لنزع النظارة الوردية التي تحجب العينين، ولهذا سأقوم بإعطاء كل نقطة موضوع بشكل منفرد، وقد أضيف إليه أو اقوم بتعديله أو أشير إليه لتتكون في النهاية صورة كاملة عن رؤيتي، وفي النهاية سأقوم بعرض جميع هذه النقاط دون تكرار والمحصلة النهائية في موضوع واحد.

يجب الأشارة وكعادة كل دولة هناك المدينة والريف، وكوني أعيش في الريف في مدينة فريبورج غرب سويسرا سأوضح في النقاط القادمة إذا ما كان الموضوع متعلق بالمدن أو الأرياف سواء بطبع الناس أو بنمط الحياة أو حتى الأشياء المادية. وكما أنه ستخلل هذه النقاط بعض الأمور المتعلقة بالدول الأوروبية التي سأزورها خلال جولتي لأعطي انطباع أكثر دقة.




      

الأربعاء، 11 فبراير، 2015

شاشات رصد القرن الواحد والعشرين


في رواية ١٩٨٤ يتحدث جورج أورويل عن الوضع الذي سيشهده العالم في نفس هذا العام (١٩٨٤) محاولًا التنبأ بنظام عالمي يسيطر على الفرد والمجتمع متحكمًا بكافة تفاصيله اليومية، مسيطرً عليه يبث ما يريد من معلومات داخل رأسه، مقنعًا إياه أن هذه هي الحقيقة ولا غير سواها.




ومن بين الأدوات التي تؤدي هذه الوظيفة هي شاشات الرصد، وهي عبارة عن شاشة صغيرة مثبته في كل شارع وبيت وغرفة وفي مكان العمل والمؤسسات والمنشئات وفي المقاهي، باختصار أنها مثبته في كل مكان، وطريقة عملها هي رصد كل فعل يقوم به الشخص بل حتى بالإمكان أن ترصد شعوره الذي يختلجه وهمساته وحديثه مع نفسه وأحلامه أثناء نومه، وماذا ينوي أن يفعل، وبالإمكان أيضًا أن تحدد هذه الشاشات موقعة، ومتى عاد إلى البيت ومتى غادر من مكان عمله وماذا أكل وماذا شرب، بمعنى آخر أن الخصوصية منعدمة، فلا يمكن للفرد أن يعيش في جو ملئه الخصوصية وإنما كل شيء مكشوف للسلطات بغية التحكم في الفرد وتصفية أي فكر مخالف.

كذلك من وظائف شاشات الرصد بث البرامج والأخبار للأفراد بشكل تلقيني، ويكون ما يبث كتوجيهات للأفراد المراد عملها، إن شاشة الرصد بوجه آخر يمكن أن يكون الإعلام التلقيني ليس الحر الذي يقوم على مبدأ الرأي الأحادي.

تنبأ جوروج أورويل بكل هذه الأشياء رغم أنه توفي في عام ١٩٥٠ وقد يكون ما ذكره في كتابه مثير للغرابة لمن قرأه في ذلك الوقت، إلا أنه الآن بالإمكان أن نقول أن تنبأه به شيء من الصحة، فإذا ما تحدثنا عن وقتنا الحاضر فشاشات الرصد الآن موجودة في كل مكان ولكن لديها أسماء مختلفة وأشكال متنوعة ووظيفتها ربما تكون اسوء وأشد خطورة من التي ذكرها جورج أورويل.

إن شاشات الرصد كما ذكرنا سابقًا لديها وظيفتين: البث (الإعلام) والمراقبة (انعدام الخصوصية) وهذين الشيئين إذا ما تأملنا النظر فيهما نجد أن الأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها اليوم تؤدي نفس الوظائف وربما أكثر من ذلك كالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب والكاميرات مرتبطة بذلك ومعتمدة على الإنترنت والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الإجتماعي. وسنأخذ أمثلة بسيطة على أن هذه الأجهزة قد قامت فعلًا بإعدام الخصوصية وجعل مستخدميها مكشوفين للكل.

بلغ عدد الأجهزة الذكية هذا العام ما يقارب ٥ مليار جهاز ذكي على أشكال مختلفة ومتنوعة وترتبط غالبية هذه الأجهزة بالانترنت، وتقوم بإدخال بياناتك فيها للتعرف عليك كالبصمة وتحديد الموقع وقائمة الأسماء وتطور الأمر إلى حساب دقات قلبك وعدد خطواتك، وتسجل رسائلك في سيرفرات خاصة، وليس هناك حاجة - عما قريب - من حمل بطاقتك الإئتمانية فهي الآن تتواجد في الهاتف. 
ويصل الأمر إلى كاميرات المراقبة في الشوارع والرادارات ونظام دخول وخروج الموظفين بالبصمة إلى الكاميرات داخل الفنادق والمحلات التجارية.

واذا ما اخذنا مثال على شركة جوجل فقد نقل موقع نون بوست بعض الممارسات التي تنتهك الخصوصية مثل:
“الأمر الذي كان أكثر غرابة من تصريح رئيس جوجل في دافوس، كان الاختراع الذي طوره مجموعة من علماء هارفارد، وهو عبارة عن روبوت بحجم البعوضة يستطيع سرقة عينات من حمضك النووى دون أن تشعر به، حيث تقول أستاذة علوم الكمبيوتر مارجو سليتزر: "الخصوصية التي عرفناها في الماضي، أصبحت أمرا مستحيلا الآن".

ما تقصده سليتزر في الواقع، هو أننا لسنا بحاجة إلى روبوتات بحجم البعوض لتسرق عينات من أحماضنا النووية لنشعر بانتهاك خصوصيتنا، بل أن خصوصيتنا منتهكة بالفعل ومنذ فترة ليست بالقصيرة، ناهيك عما سيتم تطويره في المستقبل، مضيفة: "التقنيات الموجودة بالفعل الآن، مثل بطاقات الائتمان وشبكة الانترنت والرادارات على الطرق السريعة وكاميرات مراقبة الشوارع ومواقع التواصل الإجتماعي والبريد الالكتروني، كل ذلك يترك أثرا رقميا هائلا يمكن تتبعنا من خلاله”.

 في عام 2007، قامت جوجل بتطوير تطبيق "Google street view" الذي يسمح لمستخدمه أن يتجول في الشوارع من خلال رؤية بانورامية توفرها له جوجل من خلال كاميرات موضوعة على سيارات تابعة لـ"جوجل"، والتي تتجول في الشوارع العامة والشوارع الشهيرة في مدن العالم المختلفة لتصوير هذه الرؤية.

ولكن تلك الصور جعلت من اختراق تفاصيل العديد من الأشخاص أمرا ممكنا، كتصوير أشخاص يخرجون من ملاهي للتعري، أو رجالا يخرجون من مكاتب تبيع كتبا للبالغين.”

وهذا باب طويل لا يتسع لهذا المقال من الأمثلة الكثيرة والعديدة.


أما شبكات التواصل الإجتماعي فإنها سهلت العملية فأصبح الأشخاص هم من يكشفون عن أنفسهم في هذه المواقع لكل أحد، فلم يعد الأمر صعبًا لتستخرج معلومات لشخص معين، فكل ما تفعله هو البحث عن اسم الشخص وعندها ستحصل على صورته ومكان اقامته وجهة عمله واصدقائه وعائلته وعمره ولونه المفضل وأي شيء آخر تريده، ماذا أكل لوجبة الغداء وماذا شرب في المساء، ومن رافق اليوم، ومتى عاد إلى البيت، بإختصار أصبح الأشخاص هم من يكشفون عن أنفسهم فاصبحت شاشات رصد القرن الواحد والعشرين ليست هي من تجبر الأشخاص بل الأشخاص هم يأتوها طائعين.
إن الوضع الذي يشهده زمننا المعاصر فاق ما تصوره جورج أورويل..