الأحد، 5 يوليو، 2015

سويسرا بين الواقع والمثال (٣) الوقت





بقدر ما تشتهر سويسرا بصناعة الساعات ذات الدقة العالية والتصميم المتقن، فإن شعبها يشتهر بالالتزام بدقة المواعيد ودائمًا ما يكون في الوقت المحدد (on time)، وهذا ما لاحظته عند وصولي في أول يوم، فعندما استقليت القطار من زيورخ إلى العاصمة برن تم الإعلان في القطار عن شيء لم افهمه لأنه كان باللغة الألمانية، ولكن كانت هناك سيدتان تجلسان بجانبي ولقد ظهر على وجهيهما آثار الإنزعاج بعد الإعلان، وهنا ظننت أن شيء سيء قد سيحصل، فطلبت من صديقي أن يترجم لي الإعلان، فاتضح لي أن الإعلان كان يقول أن القطار سوف يتأخر لعشرة دقائق لأنه سيسلك طريق آخر بسبب أن الطريق الذي ينبغي أن يسلكه قيد الإصلاح، نعم لقد كانت 10 دقائق فقط من التأخير تجعل الناس ينزعجون مع أنه تأخير خارج عن إطار إرادتهم.

لقد كان هذا أول موقف لي مع الإسطوانة السويسرية والتوقيت، وعمومًا هي صحيحة ولا اعني هنا بشكل كامل، فالتعميم ليس حكم صحيح، وإنما هناك استثناءات بشكل دائم، فمثلًا في القطارات أو بالأحرى الترام عندما يكون التنقل داخل المدن الصغيرة يكون هناك تأخير في الموعد لدقيقة أو دقيقتين إلا أن السائق عليه أن يتدارك هذا التوقيت، ويعود سبب هذا التأخير إلى أن شبكة الطرق للقطارات والترام والحافلات العامة معقدة وإن أي تأخير أو عطل ولو لثانية واحدة في جهة يتسبب بتأخير في جهة أخرى لمدة دقيقة، ومع ذلك يتدم تدارك الموقف وتعود المياه إلى مجاريها من جديد وبنفس التوقيت.

فبشكل عام كانت هذه الإسطوانة والصورة النمطية للتوقيت صحيحة واستطيع أن اقول إنها دقيقة، فعندما يقولون في الوقت المحدد أو توقيت سويسري فالمقصود هنا بالضبط في الوقت المحدد، فإذا كان إجتماع ما يبدأ في الساعة 7:00 فسيلتقي الناس في الساعة 7:00 ولكن ليس قبل ذلك، لذلك عبارة في الوقت المحدد (on time)، هي دقيقة وهذا يعني قد يتأخر السويسري ولكن من الخروج من بيته مثلًا، فيحاول أن يفعل المستحيل حتى لا يتأخر عن الإجتماع، فلو مثلنا هذا بمثال وسيكون على النحو التالي:

عامل سويسري كل يوم يذهب إلى عمله، يخرج الساعة السابعة من بيته ويصل لمكان عمله في الساعة الثامنة، ويمشي في الطريق بأريحية، لو تأخر هذا السويسري لمدة 15 دقيقة في بيته لسبب من الأسباب وخرج في الساعة 7:15 فسيعوّض هذا التأخير في الطريق ولهذا ستجده مجهد ويهرول.
وهذا ما لاحظته كذلك وخاصة في المدن وعند محطات القطارات وفي المجمعات التجارية، هناك فئتين من الناس الذين يقصدون مكان معين أو يريدون إنهاء إجراء أو عمل، الفئة الأولى يسيرون بأريحية والفئة الثانية المهرولون، وذلك لأن الفئة الأولى خرجوا في الوقت المحدد والفئة الثانية تأخروا في الطريق ولكن في النهاية الفئتان سيصلوا في الوقت المحدد.
ولذلك تعجبت في البداية لماذا الناس يهرولون على السلالم الكهربائية ثم اتضحت لي هذه الرؤية، والأعجب من ذلك أن في السلالم الكهربائية إذا كنت غير متأخر ولا تريد أن تمشي فعليك أن تقف في الجانب الأيمن من السلم، والمهرولون على الجانب الأيسر.

مظهر آخر من مظاهر الدقة في التواقيت هو التوقيت لإغلاق المحلات التجارية، وهو موضوع معقد حيث تخضع كل مقاطعة لقانون معين تحدده المقاطعة عبر الإجراءات القانونية، وسوف اتحدث عن المقاطعة التي اسكن حاليها فيها وهي فريبورج Freiburg، فالمحلات التجارية تغلق في الساعة 6:30 أو 7:00 مساءًا يعتمد على حسب المحل، وفي يوم الخميس يغلق في الساعة 9:00 مساءًا ومن لا يتقيد بهذا التوقيت يعرض نفسه لمسائلة قانونية ويغرم بمبلغ لا يتجاوز قرابة 40,000 CHF وهو ما يقارب 16,000 ريال عُماني، وفي حالة كان الدافع من عدم اغلاق المحل الجشع لكسب المزيد من المال فتكون الغرامة غير محدودة، لقد تعجبت عندما علمت بهذه المعلومة لأن بالمقارنة وفي عُمان تبقى بعض المحلات مفتوحة حتى بعد منتصف الليل، وما كان عليّ أن اتعجب، كيف والله يقول: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (النبأ/9).

إن التقييد بالتوقيت واحترام الوقت ما كان حكرًا على الغرب وحده، بل إنها ثقافة ضاربة بجذورها في الثقافة الإسلامية، حيث اقسم الله وفي اكثر من موضع بالأوقات: والعصر والفجر والضحى والليل والنهار وغيرها من الآيات الدالة على مثل ذلك، ولكن اعتبرنا التقييد بالوقت هي ماركة اوروبية صرفة والتأخير ما هو إلا منهج العرب، فتقدمت أمم وتأخرت أخرى على غرار ذلك.



0 التعليقات:

إرسال تعليق