الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

الاسلام والديمقراطية [ الكنيسة ورجال الدين ]


5- الكنيسة ورجال الدين :

قبل الثورة الفرنسية كانت الكنيسة تتفنن في الطغيان , فكانت هي السبب الرئيسي لاستبداد الشعب باسم الدين , وذلك  بمنح الملوك الحكم المطلق فقوله مسموع وامره مطاع ولو قال ما قال وامر ما امر .
ومن ناحية اخرى ترهيب الناس اذا ما اطاعوا الملوك فهناك عذاب ينتظرك بعد الموت ان عصيت الملك . فاكتسبوا الملوك الصلاحيات المطلقة من الكنيسة وكل هذا كان باسم الدين من خلال تأويل الدين وتحريفه , فزعمت الكنيسة ان المسيح - عليه السلام - قد اعطى قيصر شرعية الوجود " اذاً اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " وكأنهم ظل الله في الارض .
فانتشر في اروبا تلك الفترة كل انواع الفساد فنشات مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية وتمثلت في نظام الاقطاع الذي ساد العالم الاروبي اكثر من عشرة قرون .
الى ان اشرق فجر الثورة فجر الحرية في عام 1789 لتلغي الملكية المطلقة وامتيازات الطبقة الاستقراطية ونفوذ الكاثوليكي , لتقوم هذه الثورة لفرض العدل والمساواة .
ومن اهم زعماء الثورة مونتسكيو صاحب مبدأ الفصل بين السلطات وجان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي وفولتير الذي انتقد التفاوت الطبقي , لتحل الديمقراطية محل الدكتاتورية .

اذاً كانت الثورة تريد تطبيق حكم المدينة فارتدت الى تراثها الاغريقي الروماني , ولكن السؤال المطروح والذي سأنطلق منه :
لماذا لم تلجأ الى الاسلام في ذلك الوقت ؟

في ذلك الوقت لم يكن المسلمون افضل حالاً , لما شهد العالم الاسلامي شدة في التراجع عن مبادئ تعاليم الدين المنزل في الخطاب السياسي حيث بدأ التأويل الظاهر على النصوص والاستدلال الغير صحيح , قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أول من يغير سنتي رجل من بني أمية " [ سلسلة الاحاديث الصحيحة ] وقال الالباني : لعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة وجعله وراثه وهو الظاهر .
فتمت مصادرة حق الامة في اختيار الامام وتحول الحكم من شورى " ديمقراطي " الى وراثة " ملكي " واصبح الحكم حكم قيصر وكسرى بعد ان كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يقول :  " اني وليت عليكم ولست بخيركم , فان احست فاعينوني وان اسأت فقوموني " وبعد ان قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : " الامارة شورى من المسلمين من بايع رجلاً دون شورى المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه " وبعد ان قال علي - كرم الله وجهه - : " ايها الناس انما الامير من امرتموه " .
فانزلق الخطاب السياسي منزلق خطير بمصادرة حق الامة وجعلها هرقلية يبايعون ابنائهم وكلما مات هرقل قام مكانه هرقل .

فمع هذا التغيير الواضح هل رضي الفقهاء بما حصل ؟

في البداية ولاول تغيير ولاول ولي عهد لما اراد معاوية - رضي الله عنه - ان يبايع الناس ابنه يزيد اعترض عليه كبار الصحابة وفقهائهم وكان من بينهم : عبد الله بن عمر , عبد الله بن الزبير , عبد الله بن عباس , عبد الرحمن بن ابي بكر , والحسين بن علي .
فاضطربت امور الدولة كلها بسبب الخطاب السياسي الجديد فكانت دعوة اهل المدينة ومكة ( الرضا والشورى ) فقد كانت الشورى تعني حق الامة في اختيار الامام ومشاركته في الرأي فلا شورى مع الاستبداد والاكراه السياسي .

الا ان هذا الاعتراض تلاشى شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن الى ان اصبح الفقهاء يقرّون بهذا التغيير , فكان للفقهاء ورجال الدين دور في اعطاء الملوك صلاحيات لا ينبغي ان تكون لهم وذلك من خلال اختزال المبادئ و تأويل النصوص و الفعل السلبي وهو الصمت وترك حقوق الامة مبعثرة .

فتم اختزال مفهوم الشورى تدريجياً , فاصبحت الشورى قاصرة على مشاركة الامة الامام في الرأي ثم تم اختزالها لاستشارة الامام اهل الحل والعقد دون الالتزام ثم تم اختزالها مرة اخرى على انها غير واجبة على الامام فان شاء فعل وان شاء ترك .

اما تأويل النصوص فقد وظفوا النصوص لواقع عصرهم لا لمبادئ الخطاب السياسي الاسلامي , فاصبح الواقع هو الذي يملي على مفاهيمهم من اجل اضفاء الشرعية عليها , ولم يكتفوا بذلك وحسب بل بترهيب الناس بفتاوى لا تجيز الخروج على الحكام او حتى التظاهر ولا اضعف من هذا , بل حتى لا يجوز نصحة وكله باطل شرعاً وستحاسب عليه ما بعد الموت , حتى وان كان الملك طاغية لا يراعي حقوق الشعب ومصالحه , مهما فسد في الارض وفسق فيها وسلب الحريات وهذا كله تحت شعار الدين والمصلحة العامة .
وشنوا حروباً على انظمة الحكم على انها وضعية قد وضعها البشر باستثاء الملكية الاستبدادية وكأنها هي الاخيرة الحكم السماوي المتمثل في تعاليم الدين الحنيف .

اما بالصمت واقرارهم الضمني بالاستبداد الحاصل نسوا أو تناسوا بأن هناك حقوق وحريات سلبت حتى حرياتهم هم ! 
واصبح الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مقتصر على المستضعفين في الارض اما الملك فهو اله لا يُسأل .

رغم ان رجال الدين والفقهاء لا يملكون نفوذ كنفوذ الكنيسة الكاثوليكية قبل الثورة الا انهم لعبوا نفس الدور , وذلك أولاً باقرارهم بالملكية ثم اعطاء الملوك الحكم المطلق ثم ترهيب الناس , لتتشكل نتيجة واحدة وهي الاستبداد والفساد المطلق .

لقد كان ماركس محقاً عندما قال : " الدين افيون الشعوب " ولكن ليس الدين المنزل , وانما الدين المحرف المؤول الذي تم اختزاله لمصالح سياسية لتخدم الحكام .
بعد انقشاع الظلام في اروبا لم يرغبوأ ان يدخلوا الباب الذي قد خرجوا منه !
فلو رجعوا الى الاسلام في ذلك الوقت لرجعوا مرة اخرى الى الملكية الاستبداية والتي يدعمها رجال الدين , فيعيدون التاريخ مرة اخرى مع ملوك اروبا والكنيسة .

0 التعليقات:

إرسال تعليق